في ظل تصاعد المأساة الإنسانية بمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، طالبت المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية بالسودان دينيس براون قوات الدعم السريع بالسماح العاجل للأمم المتحدة بالوصول إلى المدينة وتوفير ممرات آمنة للمدنيين. وأكدت أن مئات العائلات تحاول الفرار من المدينة عبر طرق غير آمنة وسط تصاعد العنف والانتهاكات.
تأتي هذه الدعوة في وقت وصفت فيه وزارة الصحة بإقليم دارفور الأوضاع في الفاشر بأنها “الأسوأ في العالم”، محذّرة من أن ما يجري يرقى إلى جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي. وقالت الوزارة إن قوات الدعم السريع نفذت منذ يوم السبت مجازر مروعة بحق المدنيين، شملت تصفيات جسدية وقتلاً ممنهجاً وانتقاماً جماعياً، في ظل غياب شبه تام لأي استجابة دولية فعالة.
المشهد الميداني لا يقل قتامة، إذ أعلنت مؤسسة أهلية سودانية عن وصول أكثر من 1117 نازحاً جديداً إلى منطقة طويلة غربي الولاية خلال يوم واحد فقط، نتيجة انعدام الأمن واستمرار المعارك. وأكدت منظمة الهجرة الدولية أن ما بين 2500 إلى 3000 شخص نزحوا من الفاشر خلال اليومين الماضيين، مع استمرار الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع غربي المدينة.
ورغم صمت الجيش السوداني عن التعليق، أعلنت قوات الدعم السريع أنها “تطهر المدينة من آخر جيوب العدو”، في إشارة إلى وحدات الجيش التي انسحبت من مواقعها “لأسباب تكتيكية” وفق مصادر عسكرية سودانية تحدثت للجزيرة. هذا الانسحاب، الذي سبقته معارك عنيفة، يُعدّ مؤشراً على انهيار خطوط الدفاع الأخيرة للجيش في دارفور.

نداءات دولية لوقف القتال واتهامات لأبوظبي بدعم المليشيا
في موازاة التحذيرات الأممية، برز صوت جديد من واشنطن عبر مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، الذي دعا إلى إقرار هدنة إنسانية فورية في السودان لمدة ثلاثة أشهر. وأوضح بولس أنه قدّم ورقة مفصلة حول الهدنة لطرفي القتال، مؤكداً أن كلاً من الجيش والدعم السريع أبديا مبدئياً ترحيبهما بها. لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن قوات الدعم السريع تتحمل مسؤولية مباشرة عن حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية فوراً.
وأضاف بولس أن “العالم يراقب بقلق بالغ ما يجري في الفاشر، وعلى الجميع إدراك أن ما يحدث كارثة إنسانية تستدعي تدخلاً عاجلاً”، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك لإجبار الأطراف على الالتزام بالهدنة المقترحة.
وفي حين تتزايد الضغوط الدولية على الدعم السريع، تتصاعد الاتهامات الموجهة للإمارات، وخصوصاً لمحمد بن زايد، بدعم قوات الدعم السريع بالمال والسلاح عبر قنوات غير رسمية. وتربط تقارير أممية وغربية عدة بين استمرار تدفق الإمدادات إلى قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) وعمليات نقل لوجستي انطلقت من الأراضي الإماراتية أو من قواعدها في القرن الأفريقي.
ويرى مراقبون أن الدعم الإماراتي لحركات دارفور يهدف إلى تعزيز نفوذ أبوظبي في منطقة غنية بالذهب والمعادن، إضافة إلى السيطرة على طرق التجارة والنقل عبر تشاد وليبيا، وهو ما يجعل بن زايد في مرمى الاتهامات الأخلاقية والإنسانية، خاصة بعد المجازر الأخيرة في الفاشر.
الفاشر: مدينة محاصرة ومأساة تمتد
تعيش مدينة الفاشر، التي كانت آخر معاقل الجيش في دارفور، حصاراً خانقاً منذ أكثر من عام، أدى إلى انقطاع الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب عن عشرات الآلاف من الأسر. وأفادت منظمات أممية بأن 260 ألف مدني محاصرون داخل المدينة، بينهم 130 ألف طفل يعانون من الجوع وسوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية.
المدينة، التي تحولت إلى رمز للمأساة السودانية، تشهد انهياراً كاملاً للبنية التحتية والمرافق الطبية، حيث توقفت المستشفيات عن العمل بعد نفاد الوقود والمستلزمات الطبية. وتفيد تقارير ميدانية بأن آلاف الجثث لا تزال ملقاة في الشوارع والمنازل المحترقة، في ظل عجز فرق الإسعاف عن الوصول إليها.
ورغم أن الأمم المتحدة وجهت أكثر من عشر نداءات خلال الشهر الماضي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى شمال دارفور، فإن قوات الدعم السريع تواصل منع القوافل الإنسانية، بذريعة “الأوضاع الأمنية”، بينما تشير مصادر محلية إلى أن المليشيا تستخدم الحصار كوسيلة ضغط سياسي على الحكومة المركزية والمجتمع الدولي.
دارفور بين التقسيم والحرب المفتوحة
السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع على الفاشر تعني عملياً أن جميع ولايات دارفور الخمس باتت تحت نفوذها، ما يفتح الباب أمام تقسيم فعلي للبلاد بين شرق يسيطر عليه الجيش وغرب يخضع لسلطة حميدتي. هذا التطور يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحرب الأهلية في التسعينيات، لكنه اليوم أكثر تعقيداً، نظراً لتعدد الفاعلين الإقليميين والدعم الخارجي الذي تتلقاه الأطراف.
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، فشلت كل الوساطات الإقليمية والدولية في تحقيق تقدم ملموس نحو وقف إطلاق النار. ووفق تقارير أممية ومحلية، خلّفت الحرب أكثر من 20 ألف قتيل رسمي، فيما تشير دراسة لجامعات أميركية إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز 130 ألفاً، إضافة إلى أكثر من 15 مليون نازح ولاجئ يعيشون في ظروف مأساوية داخل السودان وخارجه.
وبينما تستمر قوات حميدتي في توسيع نفوذها تحت أعين داعميها الإقليميين، تتجه الأنظار إلى الدور الدولي المنتظر، خاصة من الأمم المتحدة وواشنطن، في الضغط لإقرار هدنة إنسانية قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من السودان من الانقسام والفوضى.