للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب السودانية، يخرج رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان ليذكر الإمارات بالاسم، لا تلميحًا ولا إيحاءً، بل في سياق مواجهة مباشرة، معلنًا أن الوفد الإماراتي خلال اجتماعات «الرباعية» في الولايات المتحدة عجز عن الرد على الأدلة التي قُدِّمت بشأن دور أبوظبي في الأزمة السودانية.
هذا التحول في خطاب البرهان لا يمكن عزله عن توقيته السياسي ولا عن المكان الذي أُطلقت منه التصريحات. فالكلام جاء بعد أيام من زيارة البرهان إلى السعودية، ثم أُعلن من العاصمة التركية أنقرة، في ترتيب يبدو محسوبًا بعناية، ويعكس انتقال الخرطوم من مرحلة ضبط اللغة إلى مرحلة كسر الصمت.
طوال الأشهر الماضية، حرص البرهان على إبقاء اتهاماته ضمن إطار عام، مستخدمًا تعبيرات مثل «دول إقليمية» أو «أطراف خارجية». أما أن يذكر الإمارات صراحة، فهذا يعني أن سقف الخطاب تغيّر، وأن ما كان يُدار في الغرف المغلقة خرج إلى العلن.
المصادر القريبة من المشهد تشير إلى أن زيارة البرهان إلى السعودية شكّلت نقطة فاصلة. فبعدها مباشرة، بدا واضحًا أن الخرطوم لم تعد ملتزمة بسياسة المواربة، وأن البرهان شعر بوجود هامش حركة أوسع، أو على الأقل بغطاء سياسي يمنحه القدرة على تسمية الطرف الذي يعتبره داعمًا رئيسيًا لميليشيا الدعم السريع.
ذكر الإمارات بالاسم، في هذا التوقيت، لا يبدو قرارًا انفعاليًا، بل رسالة مدروسة مفادها أن السودان قرر نقل المواجهة من الكواليس إلى المنصة السياسية العلنية.
تصعيد مباشر من البرهان ضد #الإمارات..
أعلن عبدالفتاح #البرهان أعلن من أنقرة عن مواجهة سياسية علنية مع الإمارات، مؤكدًا أن الوفد الإماراتي فشل في الرد على أدلة تتهم أبوظبي بالتورط في الأزمة السودانية خلال اجتماعات «الرباعية» بأمريكا.
كما نفى البرهان تمامًا أن تكون الإمارات… pic.twitter.com/KFhttF2F4R
— العدسة بوست (@TheLensPost) December 30, 2025
أنقرة ليست تفصيلًا
اختيار أنقرة لإطلاق هذا التصريح لم يكن عابرًا. فأنقرة، خلال الفترة الأخيرة، باتت منصة إقليمية تستضيف خطابات تنتقد أدوارًا إماراتية في أكثر من ملف، من ليبيا إلى القرن الإفريقي، والآن السودان.
من أنقرة، أراد البرهان أن يقول إن السودان ليس معزولًا، وإنه يمتلك قنوات سياسية خارج محور أبوظبي. في المقابل، تعكس هذه الخطوة تراجع القدرة الإماراتية على التحكم في سردية الملف السوداني، خاصة مع تصاعد التقارير الدولية التي تتحدث عن تورطها في تسليح الدعم السريع أو توفير غطاء لوجستي له.
بهذا المعنى، لم يكن تصريح البرهان مجرد هجوم على الإمارات، بل إعلان عن إعادة تموضع سودانية في المشهد الإقليمي.
من الوساطة إلى المواجهة
أخطر ما في تصريحات البرهان أنه سحب صفة الوسيط من الإمارات. حين يرفض علنًا أي دور لطرف «يدعم ميليشيا تقاتل الدولة»، فهو لا يهاجم سياسة بعينها، بل يهدم الأساس الذي قامت عليه تحركات أبوظبي في السودان منذ بداية الحرب.
بهذا الموقف، يضع البرهان خطًا فاصلًا: لا تسوية، ولا هدنة، ولا مسار سياسي، ما دام الدعم السريع قائمًا ومسلحًا. وهو بذلك يفرض تعريفًا جديدًا للحل، يقوم على نزع سلاح الميليشيا أولًا، حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد سياسي إقليمي.
رسالة «الجنون» الإماراتي
لم يتأخر الرد الإماراتي طويلًا على تصريحات البرهان، على الفور خرج المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش بتغريدة حاول فيها إعادة ضبط السردية، معتبرًا أن تصريحات الفريق البرهان «تعكس استمرار التصلب من مسؤولية إنهاء الحرب الأهلية»، وأن «الادعاءات الباطلة» ضد الإمارات لا تغيّر من «حقيقة الأزمة» ولا تُسهم في تعطيل مسار السلام. اختيار قرقاش لمنصة “إكس” بدلًا من بيان رسمي أو مؤتمر صحفي ليس تفصيلًا شكليًا، بل يعكس طبيعة الرد: نفيٌ سريع، سياسي، مُعدّ للاستهلاك الإعلامي، دون الدخول في جوهر ما قاله البرهان أو تفنيد الأدلة التي أشار إليها.
تصريحات الفريق البرهان الأخيرة تعكس استمرار التنصّل من مسؤولية إنهاء الحرب الأهلية، في وقت يطالب فيه السودانيون والمجتمع الدولي بوقف القتال، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عراقيل.
أما الادعاء الباطل على دولة الإمارات وقيادتها، فما هو إلا تضليل لا يغيّر من…
— د. أنور قرقاش (@AnwarGargash) December 29, 2025
لغة التغريدة تكشف أكثر مما تُخفي. فقرقاش لم ينفِ واقعة المواجهة داخل اجتماعات «الرباعية»، ولم يشرح لماذا عجز الوفد الإماراتي عن الرد، ولم يقدّم رواية بديلة لما وُضع على الطاولة من أدلة. بدلًا من ذلك، لجأ إلى خطاب عام عن «وقف القتال» و«حماية المدنيين» و«تدفق المساعدات»، وهو خطاب مألوف في البيانات الإماراتية منذ اندلاع الحرب، لكنه يتجنب بعناية أي حديث عن الدعم العسكري أو شبكات الإمداد أو دور أبوظبي الإقليمي في تمكين الدعم السريع.
الأهم أن توقيت تغريدة قرقاش جاء بعد خطاب البرهان من أنقرة، لا قبله، ما يعكس حالة رد الفعل لا المبادرة. فالخرطوم كانت قد نقلت الاتهام من الكواليس إلى العلن، ومن لغة العموميات إلى التسمية المباشرة، وهو ما وضع أبوظبي في موقف دفاعي غير مريح. وفي هذا السياق، يبدو خطاب قرقاش محاولة لاحتواء الضرر السياسي، لا لتقديم رواية متماسكة قادرة على الصمود أمام التصعيد السوداني المتدرج.
من زاوية أوسع، يعكس هذا التباين بين خطاب البرهان وخطاب أبوظبي تحوّلًا في موازين السرد. فبينما يتحدث البرهان بلغة مواجهة مدعومة بإشارات إلى وقائع وأدلة وشبكات دعم، تكتفي الإمارات بخطاب إنشائي عن السلام، يتجاهل جذور النزاع ودور الفاعلين الإقليميين فيه. هذا الفارق لا يمرّ مرور الكرام في العواصم المعنية بالملف السوداني، ويُسهم في ترسيخ الانطباع بأن الخرطوم، رغم أزمتها، باتت أكثر استعدادًا لتسمية خصومها، في حين تتراجع قدرة أبوظبي على فرض نفسها كوسيط مقبول أو طرف «فوق الشبهات».
بهذا المعنى، لا تُقرأ تغريدة قرقاش بوصفها تفنيدًا لما قاله البرهان، بل كدليل إضافي على أن مرحلة إدارة الأزمة بالخطاب الرمادي تقترب من نهايتها، وأن الاتهامات العلنية بدأت تفرض على أبوظبي نمط ردود دفاعية، بدل الدور الهجومي الذي اعتادت عليه في ملفات إقليمية أخرى.
البرهان و«الجيش من الداخل»
اللافت في التوجيه أيضًا الإشارة إلى أن «البرهان يختبئ وراء ناس في الجيش». هذه العبارة تعكس قراءة داخلية للمشهد السوداني: البرهان لا يتكلم منفردًا، ولا يغامر بموقف دون حسابات داخل المؤسسة العسكرية.
تصعيد الخطاب ضد الإمارات، في هذا التوقيت، يوحي بأن البرهان يحظى بدعم أو توافق داخل دوائر مؤثرة في الجيش، أو على الأقل لا يواجه معارضة تمنعه من اتخاذ هذا الموقف. وهذا مهم، لأن أي مواجهة مفتوحة مع طرف إقليمي بحجم الإمارات لا يمكن أن تُدار بقرار فردي.
بمعنى آخر، ما قاله البرهان قد يكون ترجمة علنية لموقف كان يتبلور داخل الجيش، لا مجرد رأي شخصي لرئيس مجلس السيادة.
ماذا بعد؟
تصريحات البرهان لا تعني أن المواجهة مع الإمارات وصلت إلى ذروتها، لكنها تشير بوضوح إلى أن مرحلة الصمت انتهت.
في كل الأحوال، ما قيل في أنقرة لم يكن زلة لسان، بل رسالة سياسية مكتملة: السودان قرر تسمية من يعتبره خصمًا، ولم يعد مستعدًا لإدارة حربه تحت الطاولة.
والأهم، أن هذا التصريح كسر انطباعًا طالما روّج له خصوم الخرطوم: أن البرهان معزول، فما ظهر في هذا الفيديو يقول العكس تمامًا.