دخلت محافظة حضرموت مرحلة سياسية وأمنية جديدة، عقب استعادة القوات الحكومية السيطرة الكاملة على المدينة، في تطور وُصف بأنه ضربة موجعة لمخططات التفكيك التي رعتها الإمارات العربية المتحدة عبر أذرعها المحلية. فقد وجّه محافظ حضرموت وقائد قوات “درع الوطن”، سالم الخنبشي، تهديدًا حاد اللهجة إلى ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالية، مطالبًا إياها صراحة بـ“معرفة حجمها” والكف عن العبث بمصالح المحافظة وسيادتها.
وخلال وصوله إلى مدينة سيئون بعد استكمال عملية “استلام المعسكرات”، أكد الخنبشي أن ما جرى “ليس انتصارًا لطرف على حساب آخر، بل انتصار لمنطق الدولة والأمن والاستقرار”، في رسالة سياسية واضحة تعكس نهاية مرحلة النفوذ الميليشياوي وبداية ترسيخ سلطة الدولة. وأضاف أن حضرموت “جسد واحد من الساحل إلى الوادي والصحراء”، وأن الدولة وحدها هي المظلة الجامعة التي تحمي الجميع دون استثناء أو وصاية خارجية.

خطاب حازم يطيح بأوهام السيطرة
لم يكن خطاب المحافظ عابرًا أو بروتوكوليًا، بل حمل دلالات سياسية عميقة. فحين قال موجّهًا حديثه إلى ميليشيا الانتقالي: “لا بد أن يعرف حجمه”، كان يضع حدًا لمحاولات فرض أمر واقع بالقوة، ويغلق الباب أمام مشاريع الانفصال التي حاولت التغلغل في حضرموت خلال الأشهر الماضية. وتابع الخنبشي أن السلطة المحلية بصدد مطالبة السلطات العليا باتخاذ قرارات صارمة تنهي أي محاولات مستقبلية للمساس باستقرار المحافظة.
هذا الخطاب عكس تحوّلًا نوعيًا في طريقة تعاطي الدولة مع الانتقالي، من سياسة الاحتواء والتفاوض إلى لغة الحزم والردع. كما كشف الخنبشي أن الأجهزة الأمنية كانت على أهبة الاستعداد لفرض خروج القوات المخالفة بالقوة الجبرية، لولا رضوخ تلك الأطراف في اللحظات الأخيرة، وهو ما يشي بأن خيار الحسم العسكري كان حاضرًا بقوة.
دور الرياض وكبح المشروع الإماراتي
وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية، كشف محافظ حضرموت عن الدور المحوري الذي لعبته السعودية في نزع فتيل الانفجار. وأوضح أن بيان وزارة الخارجية السعودية، الذي منح القوات المدعومة إماراتيًا مهلة 24 ساعة للمغادرة، كان “مؤشرًا واضحًا وحاسمًا” على تبدّل الموقف الإقليمي من العبث بأمن حضرموت.
وأشار الخنبشي إلى أن تلك القوات غادرت في وقت قياسي، “لم تكن تتوقعه الأطراف التي كانت تراهن على البقاء والسيطرة على مقدرات المحافظة”، في إشارة مباشرة إلى فشل الرهان الإماراتي على تثبيت نفوذ دائم عبر ميليشيا الانتقالي. ويعكس هذا التطور تراجعًا ملحوظًا في هامش المناورة الذي تمتعت به أبوظبي داخل الجغرافيا اليمنية، خصوصًا في المناطق الشرقية ذات الأهمية الاستراتيجية.
حضرموت تُفشل سيناريو التفكيك
تمثل حضرموت بثقلها الجغرافي والاقتصادي قلب اليمن الشرقي، والسيطرة عليها كانت تمثل حجر زاوية في مشروع التفكيك الذي سعت إليه أبوظبي منذ سنوات. غير أن استعادة المدينة، بدعم من التحالف بقيادة السعودية، أسقط هذا السيناريو وأعاد الاعتبار لمؤسسات الدولة اليمنية.
وأكد الخنبشي أن السلطة المحلية عملت بتنسيق مكثف مع مجلس القيادة الرئاسي والجانب السعودي لتجنب المواجهة المسلحة وحقن الدماء، إلا أن “الإصرار على تجاوز مؤسسات الدولة” استوجب موقفًا حازمًا انتهى باستعادة السيطرة الكاملة على المواقع الحيوية. هذا المسار يعكس توازنًا دقيقًا بين تغليب الحلول السياسية والاستعداد لاستخدام القوة عند الضرورة.
رسائل تتجاوز حضرموت
لا تقف دلالات ما جرى عند حدود حضرموت، بل تمتد إلى مجمل المشهد اليمني. فالتهديد الصريح لميليشيا الانتقالي يعني أن زمن التساهل مع الكيانات المسلحة الخارجة عن الدولة يقترب من نهايته، وأن الرهان على الدعم الخارجي، خصوصًا الإماراتي، لم يعد مضمون النتائج.
كما يبعث الحدث برسالة إلى بقية المحافظات مفادها أن استعادة الدولة ممكنة حين تتوفر الإرادة السياسية والدعم الإقليمي المناسب. وفي المقابل، يشكّل ما حدث صفعة لمشروع أبوظبي الذي حاول تقديم نفسه كراعٍ للاستقرار، بينما كان عمليًا يغذّي الانقسام ويؤسس لدويلات ميليشياوية.
مرحلة جديدة ومعادلات مختلفة
تدخل حضرموت اليوم مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الأمن بيد أبنائها وتحت راية الدولة، بعيدًا عن وصاية الميليشيات وأجندات الخارج. ومع خطاب الخنبشي الحاد، تبدو الرسالة واضحة: لا مكان لمشاريع الانفصال، ولا غطاء سياسي بعد اليوم لميليشيا الانتقالي. إنها لحظة إعادة رسم للمعادلات، تُضعف نفوذ أبوظبي وتعيد الاعتبار لمنطق الدولة، في محافظة كانت هدفًا رئيسيًا لمخططات التفكيك، فإذا بها تتحول إلى نموذج مضاد لها.
اقرأ أيضا : بلطجة ترامب تضع العالم على المحك: احتجاز مادورو في بروكلين يثير رفضًا دوليًا واسعًا