لم يعد التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن مجرد جولة جديدة في حرب داخلية ممتدة، بل تحول إلى عملية عسكرية تهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتضع السعودية بين فكي كماشة إيرانية تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب. وبينما تستخدم طهران حلفاءها للضغط على صادرات النفط السعودية ورفع كلفة المواجهة مع واشنطن، وجدت الرياض نفسها وحيدة تقريباً في حرب سبق أن خاضتها إلى جانب الإمارات، قبل أن تنسحب أبوظبي من المواجهة وتترك خلفها معسكراً مفككاً وقوات متصارعة وخصماً حوثياً أكثر قوة.
في تحليل أجراه قسم التحرير في صحيفة «الغارديان»، حذرت الصحيفة من أن التقدم الحوثي حوّل شرياناً حيوياً جديداً في الشرق الأوسط إلى ساحة حرب، وأن تداعياته قد تصيب الاقتصاد العالمي، بينما يدفع المدنيون اليمنيون الثمن الأكبر. غير أن التطورات اللاحقة جعلت الصورة أكثر خطورة، فقد واصل الحوثيون هجماتهم داخل اليمن وعلى الأراضي السعودية، وارتفع عدد النازحين إلى نحو 130 ألفاً، بينما انكشفت حدود قدرة الرياض على صد الهجوم وحدها.
الحوثيون انقضوا على الساحل بعد سنوات من الهدنة
استغل الحوثيون حالة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة عام 2022 لإعادة تنظيم قواتهم وتطوير ترسانتهم وتوسيع قدراتهم الصاروخية والجوية. وعندما اندلعت المواجهة من جديد في سبتمبر 2026، لم يكتفوا باستهداف مواقع عسكرية قريبة من مناطق سيطرتهم، بل شنوا هجوماً واسعاً على الساحل الغربي، وسيطروا خلال أيام على مساحات ومواقع استراتيجية غيرت موازين الحرب.
استولى الحوثيون على مدينة المخا الساحلية وجزيرة ميون الواقعة عند أضيق نقطة في باب المندب، ثم سيطروا على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، قبل أن يتحركوا نحو المرتفعات التي تفصل الساحل الغربي عن المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.
وتمنح السيطرة على تلك المواقع الحوثيين قدرة أكبر على مراقبة السفن وتهديدها، ونشر الصواريخ والطائرات المسيرة بالقرب من طريق بحري تمر عبره شحنات الطاقة والتجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. كما تسمح لهم بتهديد الخط البحري الذي أصبحت السعودية تعتمد عليه لتصدير النفط بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ولم يتوقف الهجوم عند الساحل، فقد تحرك الحوثيون للسيطرة على مرتفعات استراتيجية قد تمكنهم من عزل المناطق الساحلية عن القوات الحكومية وفتح جبهات جديدة باتجاه عدن. وأفادت تقارير لاحقة بأن القوات الحكومية تمكنت من صد بعض الهجمات على طريق حيوي بين تعز وعدن، لكن ذلك لم ينه التهديد أو يستعد المواقع التي خسرها المعسكر المناهض للحوثيين.
إيران تحاصر النفط السعودي من جهتين
جاء التقدم الحوثي في توقيت يخدم إيران بصورة مباشرة. فقد أجبرت الحرب الدائرة معها السعودية على تقليل اعتمادها على مضيق هرمز وتحويل كميات أكبر من النفط عبر خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر.
لكن هجمات بطائرات مسيرة نُسبت إلى فصيل عراقي موالٍ لإيران أدت إلى إغلاق خط الأنابيب، بينما سيطر الحوثيون على مواقع تشرف على باب المندب، فأصبحت صادرات النفط السعودية مهددة على الطريق البري المؤدي إلى البحر الأحمر وعلى الطريق البحري الذي تعبره الناقلات بعد ذلك.
وقدّر خبراء أن استمرار إغلاق خط الأنابيب شهراً واحداً قد يخفض إمدادات النفط العالمية بنحو 120 مليون برميل. أما نقل الشحنات شمالاً عبر البحر الأحمر فأبطأ وأكثر كلفة، ولا يحميها من هجمات الحوثيين على السفن والمنشآت النفطية.
هكذا تحولت الجغرافيا إلى أداة ضغط إيرانية متكاملة: تهدد طهران الملاحة عبر هرمز، وتهاجم فصائل مرتبطة بها البنية النفطية السعودية في العراق، ويتقدم الحوثيون نحو باب المندب ويطلقون الصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة من الجنوب.
لا يعني ذلك أن الحوثيين مجرد جنود يتلقون كل أوامرهم من طهران، فهم يملكون مشروعهم المحلي وحساباتهم الخاصة، لكن مصالحهم باتت مرتبطة بصورة أوثق بالمصالح الإيرانية. يحتاج الحوثيون إلى السلاح والخبرات والدعم السياسي الإيراني، بينما تحتاج طهران إلى قوة قادرة على تهديد السعودية والملاحة الدولية من دون أن تتحمل هي الكلفة الكاملة للمواجهة.
وقد مثّلت عودة الرحلات الجوية الإيرانية إلى صنعاء في يوليو 2026، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، مؤشراً جديداً على تعمق العلاقة. وعندما قصفت السعودية مطار صنعاء، استغل الحوثيون الضربة لتبرير تصعيد أعدوا له مسبقاً، ثم قدموا هجومهم باعتباره رداً على الرياض، رغم أن عمليتهم وسعت قدرة إيران على الضغط في حربها الإقليمية.
الحوثيون يضربون السعودية ويبتزون العالم
حاول الحوثيون تقديم هجماتهم باعتبارها مواجهة محدودة مع السعودية، وأعلنوا أن السفن المرتبطة بدول أخرى تستطيع العبور. لكن هذا الخطاب لا يقدم أي ضمان حقيقي للملاحة الدولية، بل يؤكد أن الجماعة أصبحت ترى نفسها صاحبة حق في تحديد من يعبر باب المندب ومن يُمنع منه.
فالسيطرة المسلحة على المضيق تمنح الحوثيين وسيلة لابتزاز السعودية والأسواق العالمية، وقد تتحول إلى مصدر دخل سياسي ومالي عبر فرض ترتيبات أو إتاوات على الملاحة. كما يستطيع الحوثيون توسيع قائمة أهدافهم متى تغيرت حساباتهم أو احتاجت إيران إلى جبهة إضافية ضد خصومها.
ولم تعد الهجمات الحوثية مقتصرة على الحدود السعودية. ففي 24 سبتمبر، أعلنت الرياض اعتراض ستة صواريخ باليستية استهدفت الطائف وينبع، بينما قال الحوثيون إنهم هاجموا الرياض ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة. ولم تؤكد السلطات السعودية وقوع أضرار في جميع المواقع التي أعلن الحوثيون استهدافها، لكن تعدد الصواريخ واتساع رقعة الإنذارات كشفا قدرة الجماعة على تهديد مدن ومنشآت تقع بعيداً عن الحدود اليمنية.
وسبق ذلك إطلاق طائرة مسيرة قالت السعودية إنها اعترضتها بالقرب من مكة، وهجمات على منشآت عسكرية ونفطية في جازان وخميس مشيط وينبع، إضافة إلى الهجوم الذي تصاعدت بعده أعمدة الدخان بالقرب من مطار الملك خالد في الرياض.
هذه ليست عمليات دفاعية ولا مقاومة لحصار محلي، بل حملة توسع عسكري تستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة والممرات البحرية لإخضاع دولة مجاورة وفرض شروط سياسية واقتصادية عليها، بينما يتحول المدنيون في اليمن والسعودية وركاب السفن والعاملون في منشآت الطاقة إلى رهائن لهذا التصعيد.
الإمارات فككت الجبهة ثم غادرت
دخلت الإمارات حرب اليمن عام 2015 باعتبارها الحليف العسكري الأهم للسعودية داخل التحالف الداعم للحكومة اليمنية. لكن أبوظبي لم تعمل على بناء جيش وطني موحد قادر على مواجهة الحوثيين، بل أنشأت تشكيلات مسلحة تدين لها بالولاء، ودعمت المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن، وسيطرت عبر حلفائها على موانئ وجزر ومواقع استراتيجية.
تحول التحالف الذي أُعلن بهدف إعادة الحكومة إلى صنعاء إلى ساحة تنافس سعودي إماراتي. دعمت الرياض الحكومة المعترف بها دولياً، بينما دعمت أبوظبي قوى تنازعها السلطة والأرض. وفي أغسطس 2019، قصفت الطائرات الإماراتية قوات حكومية مدعومة من السعودية خلال المعارك في عدن وأبين، فأصبح الشريكان المفترضان يخوضان حرباً بالوكالة داخل المعسكر نفسه.
أدى المشروع الإماراتي إلى تعدد الجيوش ومراكز القيادة والأهداف. أرادت بعض القوات الحفاظ على وحدة اليمن، وأراد المجلس الانتقالي الانفصال، وسعت تشكيلات أخرى لحماية مناطقها أو خدمة مصالح مموليها. وعندما جاء الهجوم الحوثي الكبير، لم تكن هناك قيادة موحدة أو خطة دفاع مشتركة أو ثقة متبادلة بين القوى المناهضة له.
وفي مطلع 2026، سحبت الإمارات قواتها من اليمن بعد تصاعد خلافها مع السعودية، لكنها لم تفكك الشبكة التي بنتها ولم توحد وكلاءها تحت قيادة الحكومة. تركت أبوظبي نفوذها قائماً، لكنها نقلت عبء القتال المباشر والدفاع عن الحدود والمنشآت النفطية إلى الرياض.
وكشفت وكالة «أسوشيتد برس» أن الفصائل التي تقاتل الحوثيين تتشارك خصماً واحداً من دون أن تتشارك أهدافاً موحدة. فالقوات المرتبطة بالإمارات، وفي مقدمتها المقاومة الوطنية وقوى جنوبية انفصالية، لا تزال تحمل رؤى متعارضة مع القوات المدعومة سعودياً، وهو ما أعاق التنسيق خلال الهجوم الحوثي الأخير.
هذا هو جوهر الغدر الإماراتي بالسعودية: دخلت أبوظبي الحرب تحت قيادة الرياض، واستخدمت مظلة التحالف لبناء إمبراطوريتها المحلية حول الموانئ والجزر، وقسمت القوى التي كان يفترض أن تواجه الحوثيين، ثم انسحبت عندما أصبحت المواجهة مكلفة وتركت حليفتها أمام نتائج المشروع.
انهيار القوات المدعومة إماراتياً فتح الطريق للحوثيين
لم يكن سقوط الساحل الغربي نتيجة تفوق حوثي مطلق، بل جاء أيضاً بسبب انهيار مفاجئ داخل الجبهة المقابلة. فقد انسحبت ألوية تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، وسقطت المخا وميون ومواقع أخرى بسرعة أثارت اتهامات بالخيانة والرشاوى وسوء القيادة.
كانت قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح من أبرز القوى المرتبطة بالإمارات على الساحل الغربي. وحين انهارت مواقعها، فقدت السعودية الحاجز العسكري الذي كان يفصل الحوثيين عن باب المندب، رغم الأموال والأسلحة التي أنفقتها أبوظبي على هذه التشكيلات طوال سنوات.
أثبت الانهيار أن الإمارات بنت وكلاء يخدمون نفوذها، ولم تبن مؤسسات قادرة على حماية اليمن أو مساندة السعودية عند وقوع الهجوم. وعندما غادرت القوات الإماراتية، بقيت خلفها مجموعات متنافسة لا تجمعها دولة واحدة ولا قيادة واحدة ولا حتى رؤية مشتركة لمستقبل البلاد.
واستفاد الحوثيون من هذا التفكك أكثر مما استفادوا من قوتهم العسكرية وحدها، إذ واجهوا خصوماً يتنازعون عدن والجنوب والموانئ، بينما كانت الجماعة تعمل تحت قيادة مركزية وتستفيد من الدعم الإيراني والخبرة القتالية المتراكمة.
ترامب جهز الطائرات ثم تخلى عن السعودية
مع اتساع التقدم الحوثي، اتصل محمد بن سلمان بدونالد ترامب وطلب منه التدخل لوقف الهجوم. وبعد أسابيع من المناشدات السعودية، وافق ترامب على إعداد ضربات جوية، وبدأت القنابل تُحمّل على الطائرات الأمريكية، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة ويلغي العملية.
اكتفت واشنطن بتقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، بينما واصلت السعودية تنفيذ مئات الغارات من دون أن تتمكن من استعادة السيطرة على الساحل أو وقف تقدم الحوثيين نحو المرتفعات الاستراتيجية.
وقال ترامب إن مشكلة الحوثيين محصورة في «دولة واحدة»، في إشارة إلى السعودية، متجاهلاً أن سيطرة الجماعة على باب المندب تهدد التجارة والطاقة وقواعد دولية تقع على الضفة المقابلة في جيبوتي. كما قال إن الحوثيين يسمحون للسفن بالعبور، متعاملاً مع وعود جماعة مسلحة باعتبارها ضماناً للملاحة الدولية.
وهكذا وجدت السعودية نفسها بين حليفين تخليا عنها بطرق مختلفة: الإمارات فككت الجبهة اليمنية وانسحبت من المواجهة، والولايات المتحدة جهزت طائراتها ثم أعادها ترامب قبل تنفيذ الضربة.
ولم تجد الرياض أمامها سوى محاولة إصلاح علاقتها بأبوظبي. ففي 28 سبتمبر، وجه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان دعوة إلى نائب رئيس الإمارات منصور بن زايد لزيارة المملكة، وسط تساؤلات عما إذا كانت السعودية تسعى إلى استعادة قدر من التنسيق العسكري مع الدولة التي غادرت اليمن وتركت لها عبء الحرب.
المدنيون يدفعون ثمن مشاريع إيران والإمارات والحوثيين
بينما تتصارع القوى الإقليمية على الممرات والموانئ والنفط، يدفع اليمنيون الكلفة المباشرة. فقد ارتفع عدد النازحين منذ بداية تصعيد سبتمبر إلى نحو 128 ألفاً وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ثم تجاوز 130 ألفاً في التقديرات اللاحقة، لينضموا إلى نحو 5.2 ملايين نازح كانوا يعيشون بالفعل بعيداً عن منازلهم.
وأدت المعارك إلى مقتل أكثر من 700 شخص وإصابة الآلاف، بينما عبر أكثر من ثلاثة آلاف شخص البحر إلى أفريقيا. وأغلقت مدارس، وتحول أطفال إلى العمل لإعالة أسرهم، وارتفعت أسعار الغذاء والمياه والنقل، وتضررت الطرق والموانئ التي تعتمد عليها عمليات الإغاثة.
وحذرت الأمم المتحدة من أن تعطيل الملاحة في باب المندب قد يجبر سفن المساعدات المتجهة إلى اليمن والسودان ودول أخرى على الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 25 و30 يوماً إلى زمن الرحلة ويرفع التكلفة في منطقة تعاني أصلاً أزمات جوع ونزوح واسعة.
هذه هي النتيجة التي صنعتها الأطراف المتدخلة: إيران سلحت الحوثيين وحولتهم إلى ذراع للضغط الإقليمي، والإمارات بنت ميليشيات ووكلاء متنافسين ثم تركت الجبهة تنهار، والسعودية عادت إلى القصف بعد سنوات من محاولة الخروج من الحرب، بينما يستخدم الحوثيون المدنيين والموانئ والممرات البحرية لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية.
الحوثيون لا يحررون اليمن بل يرهنونه لإيران
يحاول الحوثيون تقديم أنفسهم باعتبارهم قوة وطنية تواجه التدخل الخارجي، لكن تقدمهم الأخير يكشف تناقض هذا الادعاء. فالجماعة تعتمد على الدعم الإيراني، وتتحرك في توقيت يخدم معركة طهران مع الولايات المتحدة، وتهدد منشآت النفط السعودية والملاحة الدولية، وتفرض سلطتها بالقوة على مناطق جديدة.
السيطرة على باب المندب لا تعيد السيادة إلى اليمن، بل تحول البلاد إلى منصة تتحكم من خلالها إيران في شريان عالمي آخر. والهجمات على السعودية لا تحمي اليمنيين، بل تعيد الغارات الجوية والحصار والنزوح إلى بلد لم يخرج بعد من آثار الجولات السابقة.
أما الإمارات، فقد أثبتت أنها لم تدخل اليمن لحماية الشرعية أو إنهاء الانقلاب الحوثي، وإنما لبناء نفوذ يمتد عبر الموانئ والجزر والوكلاء المحليين. وحين تصادمت مصالحها مع السعودية، تركت حليفتها تواجه وحدها الحوثيين الذين استفادوا من الانقسام الذي صنعته أبوظبي.
لقد اجتمعت المصالح الإيرانية والمغامرة الحوثية والخيانة الإماراتية عند نتيجة واحدة: خنق السعودية من الجنوب، وتهديد باب المندب، وإعادة اليمن إلى حرب شاملة، وتحويل ملايين المدنيين إلى وقود لصراع لا يملكون قراره.