قبل 32 عاما، وتحديدا فجر الخامس والعشرين من شباط/فبراير 1994، ارتُكبت واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حين اقتحم مستوطن إسرائيلي من مستوطنة “كريات أربع” المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل خلال صلاة الفجر في شهر رمضان، وفتح النار على نحو 800 مصلٍّ فلسطيني، ما أدى إلى استشهاد 29 منهم وإصابة أكثر من 125 آخرين.
لم تكن المجزرة مجرد حادثة دامية عابرة، بل شكلت نقطة تحول مفصلية في واقع المسجد الإبراهيمي وفي بنية السيطرة الإسرائيلية على مدينة الخليل. فقد أعقب الجريمة إغلاق كامل للمسجد لمدة تسعة أشهر، توقفت خلالها الصلوات، قبل أن يُعاد فتحه ضمن ترتيبات تقسيم مكاني وزماني لا تزال حتى اليوم تمثل أحد أبرز أوجه التقييد المفروض على حرية العبادة للمسلمين.
تحولت الجريمة، التي هزّت الضمير الإنساني آنذاك، إلى مدخل لإعادة هندسة المكان دينيًا وأمنيًا، بحيث لم يعد المسجد الإبراهيمي كما كان قبل عام 1994، بل أصبح فضاءً مقسّمًا يخضع لإجراءات عسكرية مشددة، وواقعًا جديدًا فُرض بقوة السلاح.

تقسيم المسجد.. من جريمة فردية إلى واقع دائم
عقب المجزرة، فرضت سلطات الاحتلال نظام تقسيم دائم للمسجد، خصص بموجبه جزء كبير من مساحته لليهود، مع منحهم سيطرة شبه كاملة خلال أعيادهم الدينية. وأصبح هناك باب معدني يفصل بين المصلين المسلمين والمستوطنين، في مشهد يجسد الانقسام القسري للمكان.
هذا التقسيم لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل تحوّل إلى أداة لإعادة تعريف هوية المسجد، إذ أُنشئ كنيس يهودي داخل المجمع، وتكثف الوجود الاستيطاني في محيطه، وتوسعت مستوطنة “كريات أربع” على حساب الأراضي الفلسطينية، ما عزز الطابع العسكري للمنطقة القديمة من الخليل.
ومع مرور السنوات، لم تتراجع القيود، بل اتخذت أشكالًا أكثر تشددًا، شملت منع إدخال مستلزمات أساسية في شهر رمضان، مثل الماء والتمر، والتضييق على الأئمة، وحرمان بعض الموظفين من الوصول إلى المسجد، فضلا عن حظر الأذان في أوقات محددة، والسماح للمستوطنين بحمل السلاح داخل باحاته.
الخليل بين H1 وH2.. مدينة مقسّمة تحت الحصار
بموجب بروتوكول الخليل عام 1997، جرى تقسيم المدينة إلى منطقتين: H1 الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وH2 الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، والتي تشمل البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي. في هذه المنطقة يعيش نحو 40 ألف فلسطيني إلى جانب نحو 700 مستوطن، يحميهم ما يقارب 2000 جندي إسرائيلي.
وتُفرض في المنطقة أكثر من 100 نقطة إغلاق وحاجز فعلي، بينها 20 نقطة تفتيش دائمة، ما يجعل حياة الفلسطينيين اليومية رهينة التصاريح والإجراءات العسكرية. الوصول إلى المسجد الإبراهيمي بات محفوفًا بالتفتيش والإذلال والمنع، خاصة خلال المواسم الدينية.
هذا الواقع لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية، إذ أغلقت عشرات المحال التجارية في البلدة القديمة، وتراجعت الحركة التجارية، فيما يواجه السكان تضييقًا مستمرًا يدفع كثيرين إلى مغادرة المنطقة.
ما بعد 7 أكتوبر.. تشديد القبضة وتسريع فرض الوقائع
منذ تصاعد التوترات الإقليمية أواخر عام 2023، شهد المسجد الإبراهيمي ومدينة الخليل عمومًا تشديدًا إضافيًا في الإجراءات. شملت هذه التدابير إغلاق أبواب وغرف داخل المسجد، ووضع أقفال جديدة، ومنع بعض الموظفين من أداء مهامهم، إضافة إلى تصاعد اقتحامات المستوطنين وإقامة طقوس تلمودية صاخبة بمحاذاة صلاة المسلمين.
وفي شباط/فبراير 2026، أعلنت سلطات الاحتلال تغييرات واسعة في إدارة الضفة الغربية، تضمنت نقل صلاحيات البناء والتراخيص من السلطة الفلسطينية إلى الجيش الإسرائيلي، ما اعتبره الفلسطينيون خطوة تمهيدية لضم فعلي، وتعزيز السيطرة المباشرة على مدينة الخليل ومحيط المسجد الإبراهيمي.
هذه الخطوات تعكس، وفق مراقبين، مسارًا منهجيًا لإعادة تشكيل الواقع الإداري والديني في المدينة، بحيث يتحول الوجود الفلسطيني إلى وجود هامشي في فضائه التاريخي، ويُعاد تعريف المسجد بوصفه موقعًا “متنازعًا عليه” بدل كونه مسجدًا إسلاميًا خالصًا.
الذاكرة الجريحة والمستقبل المهدد
بعد أكثر من ثلاثة عقود على المجزرة، لا تزال جراحها مفتوحة في ذاكرة سكان الخليل. الناجون من ذلك الفجر الدموي يتحدثون عن خوف متجدد، وعن أجواء صلاة مثقلة بالقلق، في ظل شعور بأن الأزمة الراهنة قد تكون أشد وطأة من مرحلة ما بعد المجزرة نفسها.
فالمسألة لم تعد تتعلق بحدث تاريخي فقط، بل بمسار متواصل من القيود والتهويد وإعادة تشكيل المكان. المجزرة التي ارتكبها مستوطن قبل 32 عامًا لم تُغلق بملف قضائي أو إدانة أخلاقية فحسب، بل تحولت إلى محطة تأسيسية لواقع تقسيم دائم، ولمنظومة قيود تتسع عامًا بعد عام.
في المقابل، يتمسك الفلسطينيون بحقهم في المسجد، ويؤكدون رفضهم لأي تغيير يمس طابعه الديني والتاريخي. غير أن موازين القوة على الأرض، وكثافة الإجراءات العسكرية، وتسارع القرارات الإدارية، تجعل مدينة الخليل اليوم تقف على مفترق طرق خطير، حيث يتداخل الماضي الدموي مع حاضر مثقل بالقيود، ومستقبل يلوح فيه تهديد متصاعد لهوية المكان وأهله.
اقرأ أيضًا : بيل غيتس يعترف بخطأ علاقته بإبستين ويواجه أسئلة أخلاقية متصاعدة