في إدانة دولية وحقوقية متجددة تُعرّي الوجه القمعي والنظام البوليسي الذي يقوده عبد الفتاح السيسي، اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية السلطات المصرية بتنفيذ حملة اعتقالات تعسفية واحتجاز وترحيل قسري متواصلة منذ أشهر، استهدفت آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء ــ ومعظمهم من ضحايا حرب السودان وجنوب السودان ــ في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، ورغم حمل كثير منهم وثائق حماية رسمية صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وأكدت المنظمة، في تقرير مطول ومفصل نشرته الثلاثاء، أن الأجهزة الأمنية التابعة لنظام السيسي حوّلت الأزمة البيروقراطية والتأخيرات الإدارية المتعمدة في تجديد تصاريح الإقامة إلى “فخ قانوني وسلاح قمعي” لحرمان الفارين من الحروب من الحماية، وتعريضهم لخطر الإعادة القسرية إلى بلدانهم التي هربوا من الموت فيها.

بطش الدولة البوليسية: طرد قسري وتجاهل تام للمواثيق الأممية

ووثق التقرير الحقوقي تشديد القبضة الأمنية وتكثيف حملات المداهمات والتوقيف التي تشنها الشرطة المصرية منذ أواخر عام 2025 واستمرت بضراوة خلال عام 2026 الحالي، مستهدفة اللاجئين بذريعة انتهاء تصاريح إقامتهم السنوية، متجاهلة تماماً بطاقات المفوضية الأممية السارية التي يحملونها.

ونقلت المنظمة شهادات حية ومفجعة تعكس السلوك العنصري والبوليسي لجهات إنفاذ القانون في مصر؛ حيث روى لاجئ من جنوب السودان (27 عاماً) جرى ترحيله قسرياً إلى جوبا، رغم امتلاكه موعداً رسمياً لتجديد الإقامة تم ترحيله بسببه إلى سبتمبر 2028، أن ضباط الشرطة أبلغوه بعبارات عنصرية فجة: “السودانيين أصبحوا كثيرين في هذا البلد ولم نعد نريدكم”.

وتشير المنظمة إلى أن نظام السيسي يعاقب اللاجئين على تأخيرات إدارية تقع مسؤوليتها الكاملة على عاتق أجهزة الهجرة والجوازات التابعة للدولة؛ حيث يُمنح اللاجئون مواعيد تجديد تمتد لسنوات (حتى عام 2028)، بينما يتم اقتناصهم واعتقالهم تعسفياً في الشوارع خلال فترة الانتظار بسبب وثائق عجزت الحكومة البوليسية نفسها عن إصدارها.

تشريعات القمع: قانون اللجوء الجديد وسحب البساط من الأمم المتحدة

وسلط تقرير “هيومن رايتس ووتش” الضوء على البيئة التشريعية القمعية التي يفرضها النظام، منتقداً بشدة قانون اللجوء المصري الجديد الصادر أواخر عام 2024 ولائحته التنفيذية الصادرة في مايو الماضي؛ وهو القانون الذي نقل صلاحية تحديد صفة اللاجئ من المفوضية الأممية إلى “لجنة حكومية دائمة” تخضع لسيطرة الأجهزة الأمنية بشكل كامل.

وانتقدت المنظمة خلو القانون الجديد من أي نص صريح يحظر “الإعادة القسرية”، معتبرة أنه يمنح الأجهزة البوليسية صلاحيات مطلقة ومطاطة للتعامل مع ملفات اللاجئين دون ضمانات حقيقية، مما يعمق حالة الغموض والخوف القانوني التي يعيشها هؤلاء المستضعفون.

تضخم المعاناة في المركز العالمي للجوء

وتأتي هذه الإجراءات القمعية في وقت تستضيف فيه مصر أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين رسمياً، بعد أن ارتفعت الأعداد بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ اندلاع حرب السودان في أبريل 2023، ليتحول مكتب القاهرة إلى أكبر مركز عالمي لمعالجة طلبات اللجوء لعام 2025.

ورغم هذه المكانة الإنسانية الحساسة، يصر نظام السيسي على استخدام الأدوات الأمنية والاعتقالات التعسفية بدلاً من الحلول الإدارية؛ لتأكيد الطبيعة البوليسية للنظام التي لا تكتفي بـقمع المعارضين والمواطنين في الداخل، بل تمتد لتطارد الضحايا والنازحين الفارين من جحيم الموت والحروب الإقليمية.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال