في تصريح صادم وغير مسبوق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة شنت هجوماً عسكرياً مباشراً على فنزويلا، أسفر – بحسب قوله – عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جواً إلى خارج البلاد. هذا الإعلان، الذي لم تُدعمه واشنطن بأي بيانات رسمية أو أدلة مصورة، فتح الباب أمام أخطر تصعيد تشهده أميركا اللاتينية منذ عقود، وأعاد إلى الواجهة منطق “البلطجة الإمبراطورية” الذي لطالما حكم سياسة ترامب الخارجية.

رواية أميركية غامضة وسيناريو مفتوح
ترامب وصف العملية بأنها “ناجحة”، فيما نقلت شبكة “سي بي إس نيوز” أن قوة “دلتا” الأميركية هي من نفذت عملية الاعتقال. لكن اللافت أن الإدارة الأميركية لم تُصدر حتى الآن بياناً رسمياً يوضح تفاصيل الهجوم، أو يحدد الإطار القانوني والعسكري الذي جرى فيه. هذا الغموض يعزز الشكوك حول ما إذا كانت تصريحات ترامب جزءاً من حرب نفسية كبرى، أم إعلاناً فعلياً عن انقلاب عسكري خارجي مكتمل الأركان.
في المقابل، أكدت تقارير ميدانية سماع دوي انفجارات متتالية في العاصمة كراكاس، إلى جانب تحليق مكثف لطائرات حربية، واستهداف مواقع استراتيجية شملت ميناء لا غويرا، ومطار هيغيروتي، وقاعدة لاكارلوتا الجوية، ومجمع حصن تيونا العسكري. هذه المعطيات تشير إلى عملية عسكرية واسعة، لا يمكن اختزالها في “اعتقال” كما حاول ترامب تصويرها.
خطاب المقاومة في كراكاس
الرد الفنزويلي جاء حاداً ومباشراً. وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز وصف ما جرى بأنه “أكبر عدوان تتعرض له البلاد”، معلناً التعبئة العامة في صفوف القوات المسلحة، ومشدداً على أن فنزويلا “لن تتفاوض ولن تتنازل عن حريتها واستقلالها”. كما أعلن وزير الخارجية الفنزويلي حالة الطوارئ والانتقال إلى القتال، مع نشر قوات الدفاع الشعبي في مختلف أنحاء البلاد.
الخطاب الرسمي في كراكاس لم يكتف بإدانة الهجوم، بل وضعه في سياقه السياسي والاقتصادي، معتبراً أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على ثروات فنزويلا، وعلى رأسها النفط والغاز، في تكرار فاضح لسيناريوهات التدخل الأميركي التقليدية في أميركا اللاتينية.
بلطجة ترامب: سياسة القوة العارية
ما يجري يتجاوز مجرد أزمة دبلوماسية أو حتى مواجهة عسكرية محدودة. نحن أمام نموذج صارخ لـ”بلطجة الدولة العظمى”، حيث يُعلن رئيس أميركي تنفيذ هجوم واعتقال رئيس دولة ذات سيادة، دون تفويض دولي، ودون احترام لأي من مواثيق الأمم المتحدة. هذا السلوك يعكس جوهر عقيدة ترامب: لا قانون دولي، لا سيادة، فقط منطق القوة والمصلحة.
اللافت أن واشنطن بررت تصعيدها، خلال الأشهر الماضية، باتهامات لمادورو بقيادة شبكات تهريب مخدرات. لكن المفارقة أن الولايات المتحدة لم تقدم دليلاً واحداً يثبت صحة هذه الادعاءات، رغم تنفيذها عشرات الضربات في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادي، أودت – بحسب تقارير – بحياة أكثر من 100 شخص. بالنسبة لكراكاس، هذه الاتهامات ليست سوى غطاء سياسي وأخلاقي لعدوان يستهدف إسقاط النظام.
ارتدادات إقليمية ودولية
ردود الفعل في أميركا اللاتينية لم تتأخر. الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو دعا إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، محذراً من تداعيات التصعيد على الأمن الإقليمي. كما أدان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل ما وصفه بـ”الهجوم الإجرامي”، في موقف يعكس مخاوف دول المنطقة من عودة شبح التدخلات العسكرية الأميركية المباشرة.
إلى أين تتجه المواجهة؟
سواء كانت تصريحات ترامب دقيقة أم جزءاً من حرب نفسية، فإن المؤكد أن فنزويلا دخلت مرحلة شديدة الخطورة. بلطجة ترامب لا تهدد فنزويلا وحدها، بل تنسف ما تبقى من قواعد النظام الدولي، وتفتح الباب أمام فوضى عابرة للحدود. السؤال لم يعد: هل هاجمت واشنطن فنزويلا؟ بل: هل نحن أمام بداية عهد جديد من الانقلابات المعلنة، حيث يقرر رئيس أميركي مصير دول بأكملها بتغريدة أو تصريح؟
اقرأ أيضًا : قصف إسرائيلي على خان يونس والسيول تغرق خيام النازحين