في واقعة غير مسبوقة تكشف حجم الانحدار الذي وصلت إليه الدبلوماسية المصرية، تحولت القنصلية المصرية في نيويورك إلى ما يشبه “مركز احتجاز” غير قانوني، بعد أن اعتدى موظفوها على شابين أمريكيين من أصل مصري، ياسين السماك (22 عامًا) وعلي السماك (15 عامًا)، أثناء مشاركتهما في احتجاج رمزي لدعم غزة وفتح معبر رفح.

الحادثة التي وثقتها الكاميرات وأثارت جدلًا واسعًا داخل الجالية المصرية والعربية في الولايات المتحدة، فتحت الباب أمام اتهامات مباشرة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بالتحريض، ومطالبات بمحاسبته قضائيًا.

تفاصيل الاعتداء و”اختطاف” داخل القنصلية

وفق شهادات موثقة ومقاطع فيديو متداولة، قام دبلوماسيون مصريون وأفراد من البعثة بالهجوم على الشابين وسحبهما بالقوة إلى داخل مبنى القنصلية، حيث تعرّضا للضرب على الظهر والرقبة، بل وتعرض القاصر علي لمحاولة خنق باستخدام شال فلسطين. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى تسليمهما لاحقًا للشرطة الأمريكية، التي تعاملت مع الموقف وكأنها تدافع عن القنصلية، متجاهلة القوانين التي تحمي حق التظاهر السلمي وحقوق القاصرين.

الأب، أكرم السماك، وصف ما جرى بأنه “اختطاف كامل الأركان”، مشيرًا إلى أن الواقعة حدثت على أرض أمريكية، ما يجعلها جريمة مزدوجة: أولًا لانتهاك القانون المحلي الأمريكي، وثانيًا لتعدي موظفين دبلوماسيين على محتجين سلميين، وهو ما يتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي تحدد مهام البعثات الدبلوماسية.

الصدمة النفسية والجسدية على القاصر

أحد أبرز أبعاد الحادثة تمثل في كون أحد الضحيتين، علي، لا يزال قاصرًا يبلغ من العمر 15 عامًا. الأب أكد أن نجله يعاني من آثار نفسية عميقة جراء الاعتداء، بالإضافة إلى إصابات جسدية. كما كشف أن الشرطة الأمريكية رفضت السماح له بالتواجد بجوار ابنه أثناء التحقيق، رغم أن القانون يمنحه هذا الحق. بل وصل الأمر إلى منع الشابين من شرب الماء وأداء الصلاة بعد اعتقالهما، وهو ما اعتبره الأب “استهدافًا صريحًا لهويتهما وانتمائهما”.

هذا التعامل المهين مع قاصر يضع الشرطة الأمريكية أيضًا تحت المجهر، حيث بدا واضحًا أنها ركزت فقط على البلاغ المقدم من السفارة المصرية، متجاهلة روايات المتظاهرين وشهادات الفيديو.

اتهامات مباشرة لوزير الخارجية المصري

أكرم السماك ذهب أبعد من مجرد تحميل البعثة المسؤولية، حيث أكد أن وزير الخارجية بدر عبد العاطي هو “المحرض الأول”، مشيرًا إلى أن تصريحات الوزير التي دعت البعثات الدبلوماسية لمواجهة المتظاهرين والقبض عليهم، كانت الدافع وراء هذا الاعتداء. وأوضح أن العائلة بصدد رفع دعاوى قضائية ليس فقط ضد القنصلية، بل وضد الوزير نفسه أمام المحاكم الأمريكية والدولية، مؤكدًا أن ما جرى “لا يقل خطورة عما تعرض له الصحفي جمال خاشقجي” في قنصلية بلاده بتركيا، لولا أن الزجاج الشفاف كشف المشهد.

المسار القضائي واحتمالات البراءة

المحامون الذين تولوا القضية أكدوا أن فرص الشابين في الحصول على حكم بالبراءة قوية، خاصة بعد طلب النيابة تفريغ كاميرات المراقبة داخل القنصلية للتحقق من الأحداث. ورغم محاولات الشرطة توجيه اتهامات، فقد خُففت بالفعل التهم الموجهة لياسين إلى جنحة بسيطة، في حين أن ملف علي لا يزال قيد المراجعة القضائية. الأب رفض “البرنامج النفسي” الذي اقترحته السلطات الأمريكية لابنه القاصر بواقع 90 ساعة، متمسكًا بأن حقهما القانوني والإنساني يكمن في إثبات براءتهما أولًا ومحاسبة المعتدين.

دبلوماسية تتحول إلى بلطجة

الحادثة تطرح تساؤلات كبرى حول طبيعة الدور الذي تقوم به البعثات المصرية في الخارج. بدلًا من حماية مصالح الجالية، تحولت إلى أدوات قمع وذراع أمنية ممتدة للنظام، حتى على أراضٍ أجنبية. سلوك كهذا لا يهدد فقط صورة مصر الدبلوماسية، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع قوانين الدول المضيفة ومعايير القانون الدولي.

كما تكشف الواقعة عن “تصدير” عقلية الأجهزة الأمنية إلى المؤسسات الدبلوماسية، حيث تحولت القنصليات إلى “فروع أمن دولة” أكثر من كونها مؤسسات لخدمة المواطنين. هذا يطرح خطورة مضاعفة، ليس فقط على أبناء الجالية المصرية، بل على العلاقات الخارجية لمصر برمتها، حيث يمكن أن تتحول أي سفارة أو قنصلية إلى بؤرة توتر جديدة.

خاتمة: فضيحة بنكهة دولية

حادثة نيويورك لن تمر مرور الكرام. فبينما تسعى العائلة إلى مقاضاة الوزير والدبلوماسيين، يتابع الرأي العام العربي والدولي المشهد عن كثب، وسط مقارنات مباشرة مع حادثة خاشقجي. الفارق الوحيد أن هذه المرة كان هناك زجاج وكاميرات كشفت “البلطجة الدبلوماسية” في لحظتها.

إنها فضيحة بكل المقاييس، قد تعصف بسمعة وزارة الخارجية المصرية وتفتح الباب أمام مساءلات قانونية دولية. وما لم يُحاسب المسؤولون عنها، فإنها ستظل شاهدًا صارخًا على كيف تحولت الدبلوماسية المصرية من لغة الحوار إلى لغة القبضة الأمنية، حتى على أرضٍ أجنبية، وبحق قاصر لم يتجاوز الخامسة عشرة.

اقرأ أيضًا : 3 قتلى و94 مصاباً في انقلاب قطار بمطروح.. فضائح متكررة لعهد السيسي وكامل الوزير