في تداعيات تكشف الوجه الخفي للحرب على البنية الرقمية الخليجية، بدأت بنوك إماراتية تتكبد خسائر ضخمة بسبب استمرار اضطراب خدمات الحوسبة السحابية التابعة لشركة “أمازون ويب سيرفيسز” في الإمارات، بعد الأضرار التي لحقت بمراكز البيانات خلال الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في مارس الماضي. وما بدا في حينه ضربة محدودة لمنشآت تقنية، تحوّل إلى أزمة تشغيلية ممتدة وضعت القطاع المصرفي الإماراتي أمام تكاليف طوارئ متزايدة، وأجبرت بعض البنوك على نقل نسخ احتياطية من بياناتها إلى الهند وأيرلندا، في استثناء لافت لقواعد سيادة البيانات المعمول بها داخل الدولة.

فاتورة طوارئ تصل إلى 30 مليون دولار

ونقل موقع “The Banker” عن مصدر في أحد أكبر البنوك الإماراتية أن المصرف يتوقع أن تصل تكاليف “الاستجابة الطارئة” الناجمة عن الأزمة إلى نحو 30 مليون دولار خلال عام 2026، نتيجة الترتيبات الاستثنائية التي اضطر إلى اتخاذها لضمان استمرار خدماته الرقمية.

ووصف المصرفي ترتيبات استمرارية الأعمال مع “AWS” و”Microsoft Azure” بأنها باهظة التكلفة، في مؤشر على حجم العبء المالي الذي تتحمله المؤسسات المصرفية نتيجة استمرار الاضطراب، بينما باتت البنوك مطالبة بالحفاظ على بدائل تشغيلية خارج الإمارات تحسباً لأي تعطل جديد.

بيانات البنوك تغادر الإمارات

وأدت الأضرار التي لحقت بالبنية السحابية المحلية إلى اضطرار أحد البنوك إلى الاحتفاظ بنسخ احتياطية من بياناته لدى مراكز بيانات في الهند وأيرلندا بدلاً من إبقائها داخل الإمارات.

ويمثل ذلك استثناءً مهماً من قواعد سيادة البيانات الإماراتية، التي تفرض عادة الاحتفاظ بالبيانات المصرفية الأساسية داخل الدولة، إلا أن استمرار تعطل البنية المحلية دفع مصرف الإمارات المركزي إلى منح عدد من البنوك شهادات عدم ممانعة مؤقتة تسمح بنقل البيانات إلى الخارج.

ورغم عودة التطبيقات المصرفية إلى العمل خلال فترة قصيرة نسبياً، بقيت المشكلة الأساسية المرتبطة بالبنية السحابية دون حل كامل، ما أبقى المؤسسات المالية تحت ضغط خطط الطوارئ والإعفاءات التنظيمية.

“أمازون” تحذر من أزمة تمتد لأشهر

وفي 30 أبريل/نيسان، أبلغت “Amazon Web Services” عملاءها بأن منطقة الخوادم الإماراتية ME-Central-1 تعرضت لأضرار نتيجة الحرب، ولم تعد قادرة على تشغيل تطبيقات العملاء بصورة موثوقة.

وطالبت الشركة عملاءها بنقل أعباء العمل إلى مناطق سحابية أخرى، محذرة من أن عودة الخدمات السحابية إلى طبيعتها في الإمارات قد تستغرق عدة أشهر.

وبحسب التقرير، ظلت منطقة الخوادم الإماراتية مصنفة ضمن المناطق المتضررة أو المضطربة، ما يعني أن الأزمة لم تعد مجرد عطل تقني عابر، وإنما تحولت إلى اضطراب طويل الأمد في واحدة من أهم ركائز البنية الرقمية الإماراتية.

خمسة أشهر من الإعفاءات الاستثنائية

والأخطر أن تداعيات الضربة لم تنتهِ باستعادة جزء كبير من الخدمات، إذ استمر مصرف الإمارات المركزي في إصدار إعفاءات أسبوعية تسمح للبنوك بالاحتفاظ ببياناتها خارج الدولة، في إجراء استثنائي فرضته الظروف الأمنية والتقنية.

ونقل التقرير عن مصدر قريب من المصرف المركزي وجود حالة استياء متزايدة داخل القطاع المصرفي من استمرار الاعتماد على هذه الإعفاءات، قائلاً إن المؤسسات لا تفضل إبقاء بياناتها خارج الإمارات، لكنها لا تملك بديلاً عملياً في ظل استمرار الأزمة.

ويكشف استمرار هذه الإجراءات لنحو خمسة أشهر حجم الفجوة التي خلقتها الضربات بين طموحات الإمارات للتحول إلى مركز رقمي إقليمي وبين قدرة البنية التحتية المحلية على الصمود أمام الصدمات العسكرية الكبرى.

الحرب تكشف هشاشة الاعتماد على عمالقة السحابة

ولا تتوقف المشكلة عند “AWS” وحدها، إذ يرى مزودو خدمات سحابية غير أمريكيين أن الحرب كشفت خللاً هيكلياً أوسع يتمثل في اعتماد القطاع المالي الخليجي على عدد محدود من شركات الحوسبة السحابية العملاقة.

وبحسب التقرير، بدأت بعض البنوك المحلية والأوروبية بالفعل في إجراء محاكاة لسيناريوهات حرب تتضمن نقل مراكز البيانات إلى مناطق جغرافية مختلفة وتقليل الاعتماد على مزودي الخدمات السحابية الأمريكيين، في محاولة لتقليل مخاطر تركّز البنية الرقمية في منطقة واحدة.

مليارات التحول الرقمي تتحول إلى نقطة ضعف

وتضع هذه التطورات استراتيجية التحول الرقمي الخليجية أمام اختبار صعب، بعدما أنفقت دول الخليج وجذبت استثمارات بمليارات الدولارات من شركات مثل “AWS” و”Microsoft” و”Oracle” و”Google” لتأسيس مراكز بيانات وبنية سحابية ضخمة وتحويل المنطقة إلى مركز رقمي عالمي.

لكن الحرب كشفت مفارقة خطيرة؛ فكلما ازداد تركّز البنية السحابية داخل الخليج، ازدادت حساسية هذه المنظومة تجاه أي صراع عسكري يستهدف منشآتها الحيوية.

وبذلك لم تعد الضربة الإيرانية لمراكز البيانات الإماراتية مجرد خسارة لمنشآت تقنية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم الأمن السيبراني والمرونة الاقتصادية في الخليج، ودفعت القطاع المصرفي إلى إعادة النظر في سؤال أساسي: هل يمكن لبنية رقمية تعتمد على مراكز بيانات مركزة داخل منطقة معرضة للتوترات العسكرية أن تكون فعلاً بنية آمنة ومستدامة؟