تبدأ السعودية عام 2026 وهي مثقلة بعجز مالي ضخم يبلغ نحو 44 مليار دولار، وهو رقم يكشف حجم الانهيار الاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد تحت إدارة محمد بن سلمان. هذا العجز لا يعبر عن خلل عابر، بل يعكس مسارًا طويلًا من التدهور ناتج عن سياسات ارتجالية، وإنفاق واسع بلا عائد، ومشاريع عملاقة استنزفت خزينة الدولة دون أن تُحقق وعودها. ورغم محاولات التبرير الرسمي، فإن الواقع يُظهر أن السعودية تتجه نحو أزمة مالية ممتدة تهدد الأساس الذي بُني عليه الاقتصاد لعقود.
مشاريع عملاقة… دون عوائد حقيقية
منذ إطلاق “رؤية 2030”، اعتمد ابن سلمان على فكرة الإنفاق الضخم بوصفه الطريق الأسرع لبناء اقتصاد جديد. لكن مشاريع مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر لم تحقق النتائج التي جرى الترويج لها، بل تحولت إلى عبء مالي ثقيل. كثير من هذه المشاريع تعثر، وبعضها تأخر، والبعض الآخر تقلّص حجمه بعد مراجعات داخلية، بينما استُنزفت موارد هائلة دون إنتاج ملموس أو مردود اقتصادي. وبينما كانت الوعود تتحدث عن خلق وظائف ونشاط اقتصادي متنوع، ظل المواطن يبحث عن فرص عمل في سوق راكد لا ينتج ما يتناسب مع هذه الوعود اللامعة.
فشل التنويع وغياب النمو الحقيقي
أحد أعمدة رؤية 2030 كان “تنويع الاقتصاد”، لكن الواقع يقول إن السعودية ما تزال تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وأن القطاعات غير النفطية لم تكبر بما يكفي لتعويض هذا الاعتماد أو لتوفير قاعدة اقتصادية مستقرة. فالاقتصاد غير النفطي لم يحقق تحولًا عميقًا، والقطاع الخاص ظل أسيرًا لقرارات الدولة وتدخلاتها، بينما بقي النمو مرتبطًا بالإنفاق الحكومي الضخم الذي لا يمكن استمراره بهذا الشكل دون الوقوع في عجز متكرر. وهكذا، بدل أن يكون التنويع استراتيجية لتحرير الاقتصاد، تحول إلى شعار يُرفع دون أن يجد له أرضًا صلبة.
صندوق الاستثمارات العامة… مركز قوة بلا رقابة
أصبح صندوق الاستثمارات العامة دولة داخل الدولة، يتصرف في المليارات دون وضوح أو شفافية كافية حول جدوى استثماراته وأماكن توجيه أمواله. توسع الصندوق بشكل غير مسبوق، ودخل في مجالات من الرياضة إلى التكنولوجيا إلى العقارات، لكن هذا التوسع لم يقابله نمو اقتصادي حقيقي داخل السعودية. بل إن كثيرًا من الإنفاق ذهب إلى استعراضات خارجية لا يشعر المواطن بأي انعكاس لها على حياته اليومية. ومع غياب الرقابة البرلمانية أو المؤسساتية، بات الصندوق أداة سياسية واقتصادية تابعة لإرادة شخص واحد، تتحمل الدولة تبعات قراراته إن فشلت.
المواطن يدفع الثمن
تأثير العجز المالي لن يبقى محصورًا في الأرقام الرسمية، بل سينتقل مباشرة إلى حياة الناس. فمن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة ارتفاعًا في الضرائب، وتقليصًا في الدعم، وارتفاعًا في أسعار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوقود والمياه. كما أن فرص العمل ستظل محدودة في ظل غياب قطاع إنتاجي حقيقي قادر على توليد وظائف مستدامة. المواطن الذي كان ينتظر وعود ابن سلمان بازدهار اقتصادي، يجد نفسه اليوم أمام تكاليف معيشة متصاعدة، ووظائف أقل، وخدمات أضعف، وكل ذلك نتيجة لإدارة مالية تعتمد على الإنفاق وليس على البناء.
أزمة ممتدة بلا حلول واضحة
المشكلة الحقيقية أن العجز المتوقع لعام 2026 ليس حدثًا منفردًا، بل جزء من مسار مستمر. التقديرات تشير إلى استمرار العجز خلال السنوات اللاحقة، ما يعني أن السعودية تدخل مرحلة أزمة مالية هيكلية قد يصعب الخروج منها دون تغيير جذري في السياسات الاقتصادية. استمرار هذا النهج سيجبر الدولة على الاقتراض بشكل أكبر، أو السحب من الاحتياطيات، أو الحد من الإنفاق التنموي والخدمات العامة، وهي خطوات ستفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين.
خلاصة: رؤية بلا رؤية
تُظهر الأرقام والوقائع أن محمد بن سلمان لم يقدم رؤية اقتصادية حقيقية، بل قدّم مشروعًا استعراضيًا ضخمًا استنزف موارد الدولة دون أن يحقق تحولًا اقتصاديًا ملموسًا. العجز البالغ 44 مليار دولار ليس مجرد رقم، بل علامة على فشل نموذج كامل بُني على الطموحات الشخصية والتوسع غير المدروس. وإذا استمرت السياسات الحالية، فإن المملكة قد تواجه مستقبلًا اقتصاديًا أكثر هشاشة، بعيدًا كل البعد عن الصورة الوردية التي رُسمت أمام الناس عند إطلاق “رؤية 2030”.
اقرأ أيضًا : اشتعال جبهة الخليل: عملية دهس تضع الاحتلال في مواجهة متجددة