صحيفة هآرتس الإسرائيلية كشفت تحولًا خطيرًا في موسيقى السياسة السعودية: بن سلمان لا يطلب التطبيع فقط، بل يطمح لقيادة “الشرق الأوسط الجديد” بالتعاون مع تل أبيب، رغم أن دبلوماسيته العامة تؤكد عدم الرغبة في تطبيع رسمي حتى تحقيق “حل عادل للقضية الفلسطينية”.
هذا السرد يمثل ارتدادية مزدوجة: من جهة، يتجنب النظام السعودي تحفيز غضب الشارع العربي بتعهداته العلنية، ومن جهة أخرى، يحرك اللعبة من وراء الكواليس في تلاعب مذهل بين خطاب شعبي محتشم وممارسة تسيّدها مصلحة سياسية واقتصادية مشتركة مع إسرائيل.
التحالف المظلم: تطبيع صامت مقابل موقف شعبي مزيف
رغم تصريحات بن سلمان بأنه لا يريد التطبيع الرسمي، إلا أن تقارير هآرتس تؤكد أن الرياض تنسق علنًا وسريًا مع إسرائيل على الملفات الأمنية والاستخباراتية، وتسعى لأن تكون الشريك الاستراتيجي الأول في الشرق الأوسط إلى جانب إسرائيل، ليصبح التطبيع غير معلن هو الطريق المختار.
البرنامج نفسه الذي يُسوّق للعامة كـ”رفض التطبيع حتى إقامة الدولة الفلسطينية” يعكس وراء الكواليس اتفاقات أمنية وعسكرية صامتة، ضمن ما يُعرف بـ”تحالف إسرائيلي-سني” يواجه النفوذ الإيراني. وهنا تتجلى المفارقة الأخلاقية: من الخارج “رفض التطبيع”، ومن الداخل “قيادة الشرق الأوسط الجديدة بالتنسيق مع إسرائيل”.
سقف السياسة: “حل الولايات المتحدة” كسلطة عليا؟
الخطاب السعودي الرسمي يُلقي بالكرة في ملعب واشنطن، كاشفًا أن التحوّل الوحيد المرتقب يتم عبر صفقة كبرى مع الإدارة الأمريكية. بن سلمان ظل معلقًا تطبيع المملكة بشروط واضحة:
- ضمانات أمريكية أمنية.
- تحويل الملف النووي المدني لسياق تطبيع.
- دعم مباشر لمطلب إقامة الدولة الفلسطينية.
لكن سرعان ما انقلبت الرواية: السياسة السعودية تنتقل من دور اللاعب الشرعي إلى دور العميل التكتيكي لأجندة أمريكية يسعى النظام السعودي لأن يكون منصة تنفيذها في المنطقة.
وهم الشرعية: قيادة الشرق الأوسط بلا مساواة أو تمثيل
هآرتس تسأل بحدة: هل يريد بن سلمان قيادة الشرق الأوسط الجديد، أم مجرد إدارة ملفات إسرائيلية؟
منطقة تقودها السعودية بالتنسيق مع إسرائيل تعني أن:
- الدور الفلسطيني محاصر.
- أي انتقاد لإسرائيل يُكبت بشدة.
- حقوق الإنسان ومطالب الشعب الفلسطيني توضع في خانة “المواقف الشعبية” لا السياسة الرسمية”.
هذه هي الشرعية الجديدة: ليست مبنية على تمثيل الشعوب أو العدالة، بل على ترتيب مصالح دولي-إسرائيلي-سعودي جديد يتجاهل توازن الحقوق.
سقوط المصداقية… ماذا تبقى من الإنجازات؟
في حين تروج قناة “العلا” الإعلامية لمبدأ “رؤية 2030” كمشروع تحديث ديمقراطي واقتصادي، فإن:
الرأي العام السعودي غير راضٍ: تنامي في استطلاعات الرأي يؤكد أن أكثر من 90٪ يرفضون أي تطبيع قبل حل القضية الفلسطينية.
العنف السياسي الداخلي يرتفع تجاه أي صوت يُتوقع أنه قد يقبل التطبيع أو ينتقد وضع الفلسطينيين.
سياسات داخلية أقرب إلى قمع حريات التعبير من فتح المجال السياسي.
اني لم يُعرض الإعلام السعودي نفسه كمساحة سلبية للتعبير، بل كمنصة لتزييف الخطاب أمام الداخل والخارج.
القاع الأخلاقي: قيادة الشرق الأوسط تُباع كسلطة وليست كعدالة
الادعاء بقيادة المنطقة لا يحمل أي مشروع سياسي مستقل أو شراكة حقيقية مع الفلسطينيين، بل بني على أساس:
صفقات أمنية مع إسرائيل.
شروط ملبوسة نصًا بـ”تحقيق حل عادل”، لكنها تُزال عمليًا في مفاوضات خلفية.
إدارة الداخل السعودي عبر سياسات قمعية لا تسمح بأي اختلاف في الرأي.
هكذا يُعاد ترتيب “الشرق الأوسط الجديد” ليكون مرآة لمصالح النظام السعودي الرسمية، مزدوجة مع إسرائيل، بلا صوت شعبي ولا إطار حقوقي حقيقي.
ماذا تعني قيادة بلا عدالة؟
رؤية بن سلمان لقيادة الشرق الأوسط لا تبني تحالفًا حضاريًا، بل تحالف مصالح فوق رأس الشعب الفلسطيني. هآرتس أثبتت أن “رفض التطبيع” ليس سوى خطاب شعبي يُستحضر في المناسبات، بينما الواقع يُكتب خارج الأضواء، حيث تُرتهن السياسة السعودية لأجندات إقليمية تُبعد الفلسطينيين قدر الإمكان.
“قيادة الشرق الأوسط بدون عدالة ليست قيادة، بل اتفاق سلطة ينسف القضية الفلسطينية، ويُكرّس التطبيع السري كحقيقة استراتيجية.”