رغم أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يعلن رفضًا صريحًا لمسار التطبيع مع دولة الاحتلال، إلا أن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 دفعت الرياض إلى إعادة التموضع بشكل علني، وتبني خطاب أكثر تقليدية تجاه القضية الفلسطينية. 

هذا ما أكده يوئيل جوزانسكي، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي والمتخصص في شؤون الخليج، في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، موضحًا أن التحول السعودي ليس قطيعة نهائية، بل تأجيل تكتيكي مؤقت فرضته الاعتبارات الشعبية والدينية والسياسية الداخلية.

 

 من الحذر إلى الحزم.. انعطافة الرياض بعد غزة
يؤكد جوزانسكي أن العلاقات السعودية–الإسرائيلية لم تصل إلى طريق مسدود، بل مرت بـ”تحول استراتيجي” بعد مشاهد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال في غزة، والتي أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا في الشارع العربي عمومًا، والسعودي خصوصًا. قبل 7 أكتوبر، كانت السعودية “الجائزة الكبرى” في حسابات التطبيع الإسرائيلي، بفضل الوساطة الأمريكية وزخم التصريحات المتفائلة الصادرة من تل أبيب وواشنطن. لكن الحرب غيّرت المعادلة جذريًا.

يقول جوزانسكي إن ما بدأ بـ”تحفظ سعودي محسوب” تحوّل إلى “مواقف حازمة” و”انسحاب علني من المسار”، وهو ما بدا واضحًا في الخطابات السعودية الرسمية، التي اتجهت نحو تعزيز الدعم للسلطة الفلسطينية، وتبنّي مواقف تقليدية كالتمسك بحل الدولتين والمطالبة باعتراف أممي بالدولة الفلسطينية، بل والمشاركة في تحركات دبلوماسية مع دول مثل فرنسا وكندا بهذا الاتجاه.

ولي العهد بين تحديث الداخل وتجميل الخارج
بحسب جوزانسكي، فإن محمد بن سلمان يقود سياسة مركبة تستند إلى رؤية طويلة المدى، تهدف إلى تحقيق تحديث اقتصادي وانفتاح ثقافي على الغرب عبر مشاريع مثل “رؤية 2030″، لكنه مضطر في الوقت ذاته لمراعاة اعتبارات داخلية بالغة الحساسية: مؤسسة دينية محافظة، وشعب يعارض في أغلبيته الساحقة فكرة التطبيع مع الاحتلال.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب الإسرائيلي أن “إسرائيل لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لخدمة أهداف التحديث والانفتاح على الغرب”. وبالتالي، فإن أي تقارب سعودي مع تل أبيب محكوم بحسابات دقيقة، وليس باندفاعات عاطفية أو توجهات إيديولوجية.

غير أن المجازر الإسرائيلية في غزة أحرجت الرياض وأجبرتها على التخلي مؤقتًا عن هذه “الوسيلة”، لأنها باتت تُكلف أكثر مما تُفيد. فالتقارب مع إسرائيل –وفق جوزانسكي– تحوّل من أداة علاقات عامة ومكسب استراتيجي، إلى عبء سياسي وشعبي، خصوصًا في ظل تنامي حملات المقاطعة الشعبية والاحتجاجات المناهضة للتطبيع في الداخل والخارج.

ثالثًا: التطبيع المؤجل.. لا رفض بل شروط أصعب
ورغم هذا التحول، لا يرى جوزانسكي أن السعودية أغلقت الباب نهائيًا، بل إنها “رفعت سقف الشروط”. فبعد أن كان التطبيع ممكنًا ضمن صفقة شاملة مع واشنطن تتضمن ضمانات أمنية ومكاسب اقتصادية وتقنية، أصبح اليوم مشروطًا بـ:

  • وقف دائم للحرب على غزة.
  • التزام إسرائيلي واضح بإقامة دولة فلسطينية.
  • تعزيز ملموس للسلطة الفلسطينية مقابل تهميش حماس.
  • تهدئة الشارع السعودي الداخلي.
  • تحسين العلاقات مع إيران ضمن استراتيجية موازية.

ويرى الكاتب أن الرياض حاليًا في “وضع انتظار”، تُراقب ما ستقدمه واشنطن، وتُعيد ترتيب أولوياتها في ضوء التقلبات الإقليمية، دون أن تكون مستعدة لأي خطوة تطبيعية سريعة أو رمزية.

السعودية ليست الإمارات.. والشارع له كلمته

يوجه جوزانسكي تحذيرًا ضمنيًا لصناع القرار في إسرائيل والولايات المتحدة بعدم الضغط على السعودية أو محاولة فرض تسارع في وتيرة التطبيع، مؤكدًا أن “السعودية ليست الإمارات”. فالمجتمع السعودي –بعكس نظيره الإماراتي– أكثر تحفظًا، والمؤسسة الدينية أكثر تشددًا، والبيئة السياسية الداخلية أكثر حساسية.

ولهذا، فإن أي اتفاق تطبيع مستقبلي –إن حصل– سيكون:

  • تدريجيًا.

  • منخفض الرمزية (بدون زيارات علنية أو أعلام).

  • محكومًا باعتبارات اقتصادية وتكنولوجية.

  • مشروطًا بتحقيق “سلام مقبول” في فلسطين.

ويختم جوزانسكي تحليله بالقول: “السعوديون غير مستعدين حاليًا لرؤية أفواج السياح الإسرائيليين في الرياض، وهذا لا يعني أننا خسرنا المملكة، بل فقط أن الطريق أطول مما كنا نعتقد”.

خاتمة: تطبيع مؤجل.. وخيانة مؤجلة؟
رغم أن السعودية لم تقل “لا” صراحة للتطبيع، إلا أن موقفها الحالي يمثل تراجعًا تكتيكيًا عن اتفاق كان وشيكًا، في أعقاب مجازر غزة وتغير المزاج الشعبي العربي. ومع ذلك، تبقى تساؤلات قائمة: هل سيعود محمد بن سلمان إلى مسار التطبيع بعد الحرب، عندما تهدأ العاصفة الشعبية؟ وهل ستغفر الشعوب للأنظمة التي فضّلت “صفقات القرن” على دماء الأطفال في غزة؟

التاريخ سيحكم على الموقف، لكن المؤكد أن السعودية، حتى في تريّثها، لا تزال تسير على الحبل المشدود، بين إغراءات الغرب وضغوط الشارع، وبين طموحات بن سلمان ومآسي فلسطين.

اقرأ أيضًا : الجيش السوداني والمقاومة يصُدّون هجومًا على الفاشر.. انتصار ميداني لا يُنهي مأساة المدنيين وسط دور إماراتي خفي