العدسة – منصور عطية
يبدو أن الأخبار المتعلقة باعتقال الأمراء تتجه لتصبح من نوعية الأخبار العادية لدى السعوديين، بعد أن تكررت في الآونة الأخيرة أكثر من مرة وتحت شعارات مختلفة.
أحدث إرهاصات هذا الجدل المتجدد، كانت صباح السبت 6 يناير الجاري، عندما اعتقلت السلطات السعودية 11 أميرًا تجمهروا أمام قصر الحكم في العاصمة الرياض.
وبين الرواية الرسمية عن سبب الاعتقال، وما أثاره نشطاء عن الدوافع الحقيقية، بدت الأوضاع في المملكة أسرع تطورًا من أية تكهنات أو توقعات مستقبلية.
الرواية الرسمية
الرواية الرسمية بشأن ما حدث نقلتها في البداية صحيفة “سبق” الإلكترونية ذائعة الصيت والمقربة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث نشرت خبرًا منسوبًا لمصادر لم تسمها، مفاده أن “كتيبة السيف الأجرب التابعة ” للحرس الملكي، ألقت القبض على 11 أميرًا تجمهروا في قصر الحكم، حيث صدر أمر كريم بالقبض عليهم عقب رفضهم مغادرة القصر، وتم إيداعهم سجن الحائر تمهيدًا لمحاكمتهم”.
ووفق الخبر، فقد كشفت المصادر أن هؤلاء الأمراء تجمهروا في قصر الحكم، “مطالبين بإلغاء الأمر الملكي الذي نص على إيقاف سداد الكهرباء والمياه عن الأمراء، ومطالبين بالتعويض المادي المجزي عن حكم القصاص الذي صدر بحق أحد أبناء عمومتهم”.
وبعد إبلاغهم بخطأ مطالبتهم، ورفضهم مغادرة قصر الحكم، “صدر الأمر الكريم بالتدخل، وتم القبض عليهم، ويتزعمهم الأمير “س بن ع بن س بن محمد بن فيصل بن تركي”، وفق الصحيفة.

الأمير المنفذ ضده حكم القصاص “تركي بن سعود الكبير”
والأمير الذي طالب الأمراء بالتعويض المادي المجزي عن حكم القصاص الصادر بحقه، هو “تركي بن سعود الكبير”، الذي أصبح أول فرد من الأسرة المالكة يُعدم في قضية جنائية، وتم تنفيذ حكم القصاص بحقه العام الماضي.
وفي مساء اليوم ذاته، أصدر النائب العام السعودي بيانًا نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) جاء مطابقًا إلى حد كبير لما أوردته “سبق” في وقت سابق.
البيان أكد أن التوجيهات “واضحة بأن الجميع سواسية أمام الشرع، ومن لم ينفذ الأنظمة والتعليمات سيتم محاسبته كائنا من كان”.
المفارقة أن الرقم (11) تكرر بشأن عدد الأمراء المقبوض عليهم، في الحملة التي شنتها السلطات، نوفمبر الماضي، وأسفرت عن اعتقال 11 أميرًا (جرى الإفراج عن بعضهم لاحقًا) وعدد من المسؤولين والوزراء الحاليين والسابقين ورجال أعمال، بتهم تتعلق بالفساد.
وإلى وقت قريب، لم تكن تلك الأنباء متداولة أو معلنة من قبل السلطات بشكل رسمي، حتى إن البيانات الرسمية بشأن موقوفي الفساد لم تُشر إلى الأمراء المعتقلين، وكان ما يتداول بشأنهم منقولًا عن مصادر دون تصريح رسمي واحد.
رواية دراماتيكية
وخلافًا للرواية الرسمية، فإن ثمة أمورا أخرى جرت، وأدت إلى اعتقال الأمراء، هذا ما كشفه المغرد السعودي الشهير “مجتهد”، والذي يوصف بقربه من الأسرة المالكة.
وفي مجموعة تغريدات تفصيلية روى “مجتهد” ما قال إنها حقيقة ما حدث، قائلًا: “تنادى عدد كبير من الأمراء للتحرك للأسباب التالية: الاعتقالات والسجن التي عومل بها الأمراء بجلافة وإهانة، وتسليط الإعلام عليهم واتهامهم بالفساد وتشويه صورتهم، وإسقاط هيبتهم علنا وتسليط تركي آل الشيخ وغيره عليهم، واستفزاز الشعب في دينه ومعاشه، مما فتح الباب لانهيار الأسرة كلها”.
وقال: إن “هؤلاء الأمراء تجمهروا في قصر الحكم، معترضين على حملة الاعتقالات لأقاربهم من الأمراء، وتغييب محمد بن نايف وليس بسبب الفواتير”.

الأمراء المعتقلين بتهم الفساد
“بعد النقاش تحرك فيهم شيء من العزة، فقرروا الاعتراض جماعيا على ما يجري، وتفادوا الذهاب للملك؛ بسبب وضعه العقلي، وكذلك تفادوا الذهاب لابن سلمان؛ لأنه الخصم والحكم، وقرروا الذهاب لقصر الحكم مقر إمارة الرياض، لمقابلة فيصل بن بندر؛ كونه من عمداء الأسرة لسنه الكبير، وأمير أهم منطقة في المملكة”، بحسب “مجتهد”.
وتابع المغرد: “لم يخطر ببالهم أن فيصل بن بندر جبان رعديد يخاف من ابن سلمان خوفا شديدا، ويستحيل أن يتصرف دون إذنه، ولذلك كانت ردة فعل فيصل بن بندر هي الاتصال بابن سلمان قبل السماح لهم بالدخول ورفض دخولهم، فتملكهم الغضب وارتفع صياحهم عند الباب، فأرسل ابن سلمان كتيبة من الحرس الملكي واعتقلتهم جميعا”.
وبالتزامن مع اعتقال الأمراء الجدد، نشر موقع “سبق” تقريرا مدعوما بالصور عن كتيبة “قوة السيف الأجرب”، والتي قال إنها إحدى كتائب الحرس الملكي، التي برز اسمها.

قوة السيف الأجرب
الموقع قال إن “قوة السيف الأجرب”، ترتبط بشكل مباشر بولي العهد، وأُنشئت عقب تولي الملك سلمان بن عبد العزيز لمقاليد الحكم في يناير 2015، ويزيد عدد أفرادها على 5000 عسكري من مختلف الرتب، ويتلقون تدريبات عسكرية متقدمة، منها دورات الضفادع البشرية، والصاعقة، والمظلات، ومكافحة الشغب، وقناصة ومتفجرات.
لماذا اعتقلهم ابن سلمان؟
بحسب تغريدات “مجتهد” فإن “بن سلمان” أدرك أن هذه “بداية تمرد داخل العائلة؛ فعمد إلى اختلاق سبب يطرب له الناس، فقام دليم (سعود القحطاني المستشار بالديوان الملكي) بتكليف سابق بنشر هذه الأكذوبة (اعتراضهم على فواتير المياه والكهرباء)”.
من هنا تبرز مجموعة من الأسباب المنطقية، التي ربما دفعت ولي العهد إلى هذا التعامل الخشن مع الأمراء المعتقلين، بداية من إجهاض أية تمردات داخل العائلة المالكة، ووأدها في مهدها قبل أن تستفحل ضده، وربما تتخذ أبعادًا أكثر انتشارا وخطورة.
كما تضمن هذه الخطوة زيادة في إحكام سيطرته على مقاليد الأمور في البلاد، وتوصيل رسالة تخويف إلى من يظن نفسه من الأمراء قادرًا على مواجهته، مفادها أنه لا أحد يفلت من قبضة ابن سلمان.

محمد بن سلمان
الترحيب الشعبي بالاعتقال، وفق ما ساقته الرواية الرسمية من أسباب، يعد غرضا أساسيا لابن سلمان، يهدف من خلاله إلى ترسيخ الصورة الذهنية عن نفسه بأنه المحارب الأول للفساد، ولو كان المفسد ابن عمه أو أحد الأمراء، كما تؤدي لانطباع إيجابي عن الشاب الثلاثيني وقدرته على تنفيذ خططه المستقبلية للبلاد سياسيا واقتصاديا.
ويعيش الشارع السعودي حالة غضب كبيرة، جراء القرارات الاقتصادية التي زادت من أعباء المواطنين، وأبرزها رفع أسعار الوقود واستهلاك الكهرباء والمياه مؤخرًا.
تلك الحالة التي حاول الملك سلمان امتصاصها، بأوامر ملكية تضمنت إعادة العلاوة السنوية، وصرف بدل غلاء معيشة للمواطنين، فضلا عن إعانات مالية أخرى، اعتبارا من مطلع 2018.
وعليه، فإن اعتقال الأمراء -وفق الرواية الرسمية- يمثل محاولة لامتصاص غضب المواطنين من الإجراءات الصعبة، وتأكيد أن هذه الإجراءات ستطال الجميع أيا من كانوا، وهو ما يساهم أيضا في تلميع ابن سلمان وغسيل سمعته من الاتهامات التي تلاحقه في الآونة الأخيرة بشأن الترف المالي واعتقال الأمراء ورجال الأعمال للاستيلاء على ثرواتهم.