كشفت وثائق مسرّبة اطّلعت عليها الغارديان عن تورط رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق بوريس جونسون في شبكة معقدة من الترتيبات السرية مع حكّام الإمارات العربية المتحدة، هدفها ضمان حصوله على مكاسب شخصية بمئات الملايين من الدولارات، مقابل توظيف نفوذه السياسي السابق للتغطية على سجل الإمارات المثقل بالفساد المالي، والانتهاكات الجسيمة، وتمويل الحروب بالوكالة في المنطقة. هذه الخطوة لم تكن مبادرة تجارية عابرة، بل عملية تواطؤ سياسي مدفوعة الثمن، تكشف بوضوح كيف تُشترى مواقف القادة الغربيين السابقين بالمال مقابل تبييض أنظمة استبدادية.

بدأت الخطة أوائل عام 2024، حين اجتمع ثلاثة رجال: ناشط في الترويج لمنتجات التبغ الإلكتروني، وعضو سابق في حملة تصويت للمغادرة المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومصرفي من فيينا، بهدف إقناع حكّام أبو ظبي، أغنى إمارات الدولة السبع، بأن يأخذوا منهم مليار دولار من أموالهم النفطية. أدرك الثلاثة أنهم بحاجة إلى واجهة ذات نفوذ قادرة على فتح أبواب القصور الملكية في الصحراء، فوقع اختيارهم على بوريس جونسون، الذي غادر داونينغ ستريت قبل أقل من عامين لكنه احتفظ بعلاقات وثيقة مع حكّام الخليج كوّنها خلال سنواته كعمدة لندن ووزير للخارجية ورئيس للوزراء.

كشفت «ملفات بوريس» المسرّبة أن جونسون استغل هذه العلاقات التي بناها أثناء توليه الحكم، ليس لخدمة المصالح العامة، بل لتأمين ثروة شخصية، عبر الضغط على مسؤولين إماراتيين كبار لدعم مشروع استثماري خاص يُدعى شركة بيا أدفايزوري. وقدمت الشركة نفسها بوصفها متخصصة في «حلول تمويل المناخ»، بينما كانت في الواقع مجرد غطاء للحصول على أموال إماراتية ضخمة مقابل وعود زائفة بمشروعات بيئية، في حين تُستخدم هذه الصفقات لإعادة تلميع صورة النظام الإماراتي الذي يواجه انتقادات دولية واسعة بسبب تورطه في حروب بالوكالة وعمليات فساد وشراء نفوذ في أنحاء العالم.

استعانت الشركة بجونسون بصفته «المستشار الرئيسي» لها، وهدفت إلى توظيف حضوره وشبكاته السياسية لتأمين تمويل من صندوق مبادلة السيادي التابع لأبو ظبي والذي تبلغ أصوله نحو 300 مليار دولار. كان هذا الصندوق هو «الجائزة الكبرى» كما وصفه أحد مساعدي جونسون، لأن حصول المشروع على دعمه يعني ضمنيًا تغطية بريطانية وغربية للسلطات الإماراتية رغم سجلها في القمع والفساد.

لعبت شيلي ويليامز-ووكر، التي كانت تدير عمليات جونسون في داونينغ ستريت، دورًا محوريًا في تنظيم هذه العملية، ثم أصبحت لاحقًا ضمن فريق صغير في شركة “مكتب بوريس جونسون”. ورغم أن جونسون يحصل، مثل جميع رؤساء الوزراء السابقين، على 115 ألف جنيه إسترليني سنويًا من أموال دافعي الضرائب لتمويل المهام العامة فقط، فقد استُخدمت هذه الشركة لتنسيق صفقات تجارية شخصية، ما يشير إلى استغلال مباشر للمال العام لخدمة مصالحه الخاصة.

أنكر جونسون هذه الاتهامات وهاجم الصحيفة قائلًا إن القصة «هراء» وإنه استخدم الأموال وفق القواعد، لكنه لم يجب عن أي أسئلة تتعلق بأنشطته في أبو ظبي أو علاقته بشركة بيا أدفايزوري، واكتفى بالسخرية من التقارير واتهام الصحافة بمحاولة تشويه سمعته.

لكن الوثائق المسرّبة التي حصلت عليها ديستربيوتد دينَيل أوف سيكريتس تكشف أن جونسون لم يكتف بالضغط لصالح مشروع خاص، بل حصل على عرض مباشر بامتلاك 24% من أسهم الشركة، فيما تحصل ويليامز-ووكر على 20%، والباقي يتقاسمه شيم بالديوسينغ، مستشار علاقات عامة معروف بدعمه لصناعة السجائر الإلكترونية، وديفيد روتش، مسؤول علاقات عامة ترشح سابقًا عن حزب المحافظين وأدار مكتب حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء بريكست. وكان هؤلاء يخططون لتسجيل الشركة في غيرنزي، وهي ولاية قضائية سرية معروفة بتسهيل التهرب الضريبي وغسل الأموال، في خطوة تعكس طابع المشروع المشبوه.

رغم افتقارهم لأي خبرة حقيقية في إدارة أموال ضخمة، كانت خطتهم أن يحصلوا من أبو ظبي على حق إدارة مليار يورو، إضافة إلى منحة قدرها عشرة ملايين يورو لتغطية التكاليف الأولية، دون أن يضعوا أي استثمار من أموالهم الخاصة، مع توقع تحقيق أرباح بنسبة 2.5% تدر عليهم ملايين الدولارات. المقابل الفعلي كان واضحًا: تقديم جونسون نفسه كصوت بريطاني نافذ يضفي شرعية على النظام الإماراتي ويخفف الضغوط الغربية عليه، خصوصًا بعد سنوات من التقارير عن فساده وانتهاكاته وحروبه بالوكالة في اليمن وليبيا والقرن الإفريقي.

استند جونسون في هذه المهمة إلى علاقته الوثيقة بـ خالدون المبارك، رئيس مانشستر سيتي وأحد أقرب مستشاري حكّام أبو ظبي، الذي استضافه جونسون ثلاث مرات في داونينغ ستريت، من بينها خلال قمة الاستثمار العالمي 2021. وفي عام 2024، حصل جونسون على 350 ألف دولار مقابل إلقاء كلمة في مؤتمر بيئي نظمته شركة طاقة تابعة جزئيًا لمبادلة، وطُلب منه مسبقًا أن يمدح علنًا ما سُمّي بـ«القيادة البيئية» للإمارات، وهو ما فعله فعلًا، في محاولة واضحة لغسل صورتها أمام المجتمع الدولي.

بعد الكلمة، نُقل جونسون إلى برج مبادلة، حيث التقى المبارك وطرح عليه مشروع بيا أدفايزوري مباشرة، مستغلًا علاقته الشخصية السابقة به عندما كان رئيسًا للوزراء. وبعد شهرين، صيغت له مسودة رسالة ليبعثها إلى المبارك جاء فيها: «كما لمحت خلال لقائنا، أتولى حاليًا منصب المستشار الرئيسي لشركة بيا أدفايزوري». وتضمنت الرسالة تذكيرًا من جونسون بأنه جمع قادة العالم حول تعهدات بيئية خلال قمة كوب26 عام 2021، ثم دعا صراحة إلى مناقشة «فرصة استثمارية مغرية» لصندوق مبادلة.

كانت هذه الرسالة تنتظر موافقة لجنة الاستشارات بشأن التعيينات التجارية (أكوْبا)، الهيئة الرقابية المسؤولة عن فحص أنشطة المسؤولين السابقين لمنع استغلال مناصبهم السابقة، لكن جونسون وفريقه كانوا يضغطون لإرسالها رغم عدم حصولهم على الموافقة. وعندما أخبرت اللجنة مكتبه بأنها أحالت الملف إلى ديفيد كاميرون وزير الخارجية آنذاك ورئيس الوزراء الأسبق، بسبب اتصاله المرتقب بحكومة أجنبية، سعت ويليامز-ووكر إلى تسريع العملية وأبلغت اللجنة أن جونسون تحدث شخصيًا مع إريك بيكلز رئيس اللجنة، معربة عن استغرابها من التأخير.

وفي تلك الأثناء، أخبرت ويليامز-ووكر مؤسسي بيا أدفايزوري بأنها أعادت صياغة الرسالة «لتبدو أكثر بوريسية»، بينما كتب بالديوسينغ إلى فريق جونسون مقترحًا أن يرسل الرسالة إلى المبارك فور صدور موافقة اللجنة، ثم يتبعها برسالة شخصية «لضمان رعايته».

لم يرد أي من المشاركين في هذه العملية أو من مسؤولي صندوق مبادلة على طلبات التعليق، ولم تكشف الوثائق عن المصير النهائي للمشروع، لكن من الواضح أن جوهره لم يكن بيئيًا أو اقتصاديًا بقدر ما كان عملية شراء صريحة لنفوذ جونسون واستخدامه لتبييض سجل نظام أبو ظبي مقابل مكاسب شخصية.

هذا التواطؤ العلني يفضح البنية التي تسمح لأنظمة استبدادية ثرية كالإمارات بشراء الحصانة من المساءلة عبر شبكات النفوذ الغربية، ويوضح كيف تحوّل بوريس جونسون من رئيس وزراء لبريطانيا إلى وكيل مدفوع الأجر لخدمة نظام متورط في الفساد والحروب بالوكالة، مستعد لتسخير مكانته السابقة لتوفير دعم سياسي وتلميع دولي لنظام يواجه إدانات متزايدة على انتهاكاته.