كشفت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية في تقرير استراتيجي عن كواليس المواقف الخليجية والتقييمات الاستخباراتية المحيطة بالحرب مع إيران؛ مبرزة تضارباً بين الخطاب السياسي العلني وبين التحركات المغلقة لبعض العواصم، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، والتي تدفع باتجاه إطالة أمد الضغط والحصار الأمريكي على طهران لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية بالكامل.

وأفاد التقرير بأن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أبلغ المسئولين الأمريكيين صراحة بعدم رغبته في استعجال العودة إلى “مذكرة التفاهم” الموقعة في يونيو الماضي مع إيران. ويفضل ابن سلمان ومعظم قادة الخليج استمرار الحصار العسكري والاقتصادي الأمريكي المفروض على الموانئ والخطوط الجوية الإيرانية، بهدف التوصل لاتفاق جديد بشروط تفاوضية أشد صلابة، خلافاً للمواقف المعتدلة التي تتبناها كل من قطر وسلطنة عُمان للوصول لتسوية سريعة.

وقلل التقرير نقلاً عن دبلوماسيين مطلعين من مخرجات المفاوضات غير المباشرة التي جرت بنيويورك برعاية قطرية واستمرت لثلاث ساعات بين مبعوث ترامب والوفد الإيراني؛ موضحاً أنها اقتصرت على إعادة عرض المواقف دون تقارب، حيث تشترط طهران الالتزام بمذكرة يونيو، بينما يصر ترامب بدعم خليجي على صيغة جديدة كلياً. وتسود التقديرات داخل واشنطن وطهران والخليج بأن الحرب مرشحة للاستمرار حتى نهاية عام 2026 في ظل عجز أي طرف عن فرض حسم ميداني مطلق.

وكشف تقرير «بوليتيكو» عن بدء دول خليجية مناقشات غير معلنة لإعادة التفاوض على شروط وقواعد استخدام القواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضيها. وفي حين تخطط واشنطن لتقليص وجودها بالقاعدة البحرية بالبحرين، واستمرار قطر في إنفاق 10 مليارات دولار لتطوير قاعدة “العديد”، يكمن التساؤل الأساسي حول مدى رغبة البنتاغون في الاحتفاظ بذات الحجم من القوات، عقب اكتمال الانسحاب الأمريكي من سوريا والعراق بنهاية سبتمبر الجاري.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول خليجي رفيع أن المنطقة تتجه بعيداً عن منطق “الاتصال بواشنطن كلما ظهرت مشكلة”؛ إذ يتراجع الدور الأمريكي تدريجياً من صفة “الضامن الأمني الشامل وحلال الأزمات” إلى شريك يقتصر دوره على مكافحة الإرهاب، وصفقات السلاح، والوساطات، والمساعدات لإسرائيل. كما لفت التقرير إلى المعارضة الشعبية الأمريكية القياسية؛ حيث اعتبر 60% من الأمريكيين الحرب على إيران خطأً خلال أقل من شهرين من اندلاعها، إلى جانب إنهاك البنتاغون بفعل استنزاف الصواريخ الاعتراضية وتخصيص خُمس حاملات الطائرات للخليج على حساب المواجهة مع الصين بـ آسيا.

ورسمت الصحيفة صورة قاتمة للاقتصاد الإقليمي والمحلي؛ موضحة أن الحصار الممتد منذ شهرين أحدث شللاً كبيراً بـ الموانئ والمطارات الإيرانية وتسببت في هبوط العملة وارتفاع التضخم لمستويات قياسية، غير أن إيران لا تستعجل حلاً يخفض أسعار النفط ويمنح ترامب مكسباً انتخابياً قبل التجديد النصفي. وعلى الضفة المقابلة، تتجه معظم اقتصادات الخليج للانكماش في 2026 إثر خسارة مئات المليارات جراء تراجع صادرات النفط والغاز وتوقف السياحة، مشيرة إلى أن أقرب حلفاء واشنطن دفعوا الكلفة الأكبر لهذه المواجهة.

وأمام هذا الانكفاء الغربي، اتجهت الدول العربية لخيارات تسليحية وتحالفات متعددة الأطراف؛ حيث برزت قيمة الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وتزايد الإقبال على المسيرات التركية والأوكرانية، بالتزامن مع تفعيل السعودية لاتفاق دفاع مشترك مع باكستان وتركيا وتحالفات بحرية بالبحر الأحمر. وتخلص «بوليتيكو» إلى أن واشنطن تتخلى عملياً عن إدارة النظام الإقليمي بمفردها، ما يضع القوى العربية أمام فرضية بناء قدراتها الذاتية والاعتماد على توازناتها الدفاعية المستقلة.