في تصريح يكشف حجم الغطرسة الإسرائيلية من جهة، ويعرّي التواطؤ العربي من جهة أخرى، أعلن وزير الطاقة والبنى التحتية في حكومة الاحتلال، إيلي كوهين، أن قيام دولة فلسطينية “لن يحدث، لا الآن ولا لاحقاً”، مؤكداً أن غالبية قادة الدول العربية “لا يريدون فعلياً” قيام هذه الدولة، رغم تصريحاتهم العلنية التي تُظهر دعمهم لحل الدولتين.
جاءت تصريحات كوهين خلال مقابلة مع “القناة الإسرائيلية 14” مساء الاثنين، قبل ساعات قليلة من تصويت مجلس الأمن على مشروع القرار الأمريكي الذي يتضمن فقرة تشير إلى “مسار لإقامة دولة فلسطينية”، بشرط تنفيذ السلطة الفلسطينية سلسلة ما يسمى “إصلاحات واسعة”، بينها وقف مخصصات الأسرى وتغيير المناهج التعليمية.
هذه التصريحات ليست مجرد محاولة لتثبيت موقف سياسي داخلي، بل هي رسالة مباشرة للإدارة الأمريكية، ورسالة أعمق لحلفاء إسرائيل الجدد من الحكام العرب الذين اندفعوا نحو التطبيع أو استخدموا القضية الفلسطينية كورقة خطابية فارغة في العلن بينما يصطفون سراً خلف الموقف الإسرائيلي.

“لن تكون هناك دولة فلسطينية.. نقطة”
كوهين لم يُخفِ شيئاً. قالها بوضوح فج:
“من وجهة نظرنا، لن تكون هناك دولة فلسطينية. نقطة.”
وأضاف أنه لا يرى أي مبرر لـ”منح أي تصريح سياسي” يتعلق بدولة فلسطينية في إطار مفاوضات سلام، وأنه حتى لو عُرض عليه توسيع اتفاقيات أبراهام مقابل قبول قيام هذه الدولة، فإن جوابه سيكون: “طبعاً لا”.
وبلهجة أيديولوجية متطرفة قال كوهين إن الأرض “لهم أولاً”، وإن تجربة الانسحاب من قطاع غزة عام 2005 “أثبتت الخطر الأمني” الذي يمكن أن ينشأ، حسب مزاعمه، في إشارة إلى صمود المقاومة وتعاظم قوتها رغم الحصار والحروب.
هذه اللغة ليست استثناءً داخل الحكومة الإسرائيلية، بل هي الموقف الرسمي الحقيقي، بغضّ النظر عن الخطابات الأمريكية التي تستمر في ترويج “حل الدولتين” رغم علم واشنطن أن إسرائيل دفنت هذا الحل منذ سنوات طويلة.
“حكام عرب لا يريدون الدولة فعلاً”
لكن الجانب الأخطر في تصريحات كوهين هو الحديث عن الموقف العربي، إذ قال إن أغلب الدول العربية “المعتدلة” – حسب وصفه – التي تتحدث أمام الإعلام عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، “لا ترغب فعلياً في ذلك”.
وادّعى أن هذه الدول تخشى من أن تقع الدولة الفلسطينية تحت “النفوذ الإيراني” أو سيطرة “تنظيمات متطرفة”، وأن هذا سيؤدي إلى “عدم الاستقرار الإقليمي”.
كوهين لم يسمِّ هذه الدول، لكنه استخدم التعبير ذاته الذي يستخدمه الإسرائيليون للإشارة إلى دول طبّعت أو تسعى للتطبيع، وعلى رأسها الإمارات والسعودية والبحرين والأردن والمغرب.
واللافت أن تصريحاته تكشف حقيقة لطالما نُبّه إليها الفلسطينيون:
بعض الأنظمة العربية لا تريد دولة فلسطينية لأنها ترى فيها تهديداً سياسياً أو إيديولوجياً لسلطتها، وتفضّل استمرار الوضع القائم الذي يمنحها دوراً وظيفياً لدى واشنطن وتل أبيب.
وفي المقدمة يأتي محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات، الذي تحوّل منذ سنوات إلى رأس الحربة في مشروع تصفية القضية الفلسطينية عبر التطبيع، وتمويل سياسات الاحتلال، وفتح أبوابه أمام الشركات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وصولاً إلى مشاركته غير المباشرة في الضغط على دول عربية أخرى لكي تلحق بركب التطبيع.
وليس غريباً أن يُقدّم كوهين ابن زايد وبقية الحكام العرب كحائط صد يمنع قيام الدولة الفلسطينية، فالتطبيع السياسي والاقتصادي والاستخباراتي بين الإمارات وإسرائيل تجاوز كل الخطوط، إلى الدرجة التي يرى فيها الاحتلال هذه الأنظمة «شريكاً موثوقاً» في مشاريع إقليمية مشتركة، من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، ومن الطاقة إلى الأمن السيبراني.
“حماسستان” و”فتحستان”: صناعة التخويف الإسرائيلية
ولم يكتفِ كوهين بالحديث عن الرفض العربي الخفي، بل لجأ إلى لغة التحريض المعهودة، قائلاً إن الانسحاب من غزة أنتج “حماسستان”، وإن تكرار السيناريو نفسه في الضفة الغربية سيقود إلى “فتحستان” بإدارة “عناصر إيرانية”.
هذه المصطلحات ليست مجرد لغة سياسية، بل هي جزء من منظومة الدعاية الإسرائيلية التي تحاول تصوير الفلسطينيين كتهديد وجودي دائم، وتبرير استمرار الاحتلال، وجعل أي دولة فلسطينية تبدو بمثابة “قنبلة موقوتة”.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها كوهين هي أن الاحتلال هو مصدر الإرهاب الحقيقي في المنطقة، وأن الجرائم التي ارتكبها خلال سنوات – وآخرها حرب الإبادة في غزة – هي التي صنعت المقاومة ودفعت الفلسطينيين للدفاع عن وجودهم بأي وسيلة.
المبادرة العربية للسلام.. وثيقة تُنتهك علناً
اللافت أن تصريحات كوهين جاءت رغم أن مبادرة السلام العربية التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002 نصت بوضوح على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 مقابل تطبيع شامل.
ورغم أن المبادرة ماتت سياسياً منذ سنوات، فإن إسرائيل اليوم تعترف صراحة بأن الأنظمة العربية هي التي تخلت عنها عملياً، وأن التطبيع أصبح مجانياً بلا ثمن سياسي أو وطني.
خلاصة تحليلية
تصريحات إيلي كوهين لا تعكس موقف وزير واحد، بل تعبّر عن جوهر السياسة الإسرائيلية:
رفض مطلق لأي دولة فلسطينية، واعتبار الأرض الفلسطينية «ملكية يهودية»، واستثمار حالة الانقسام العربي الرسمي – خصوصاً في ظل اندفاع محمد بن زايد وحكام عرب آخرين نحو التحالف العلني مع إسرائيل – لإسقاط ما تبقى من القضية.
ومع هذا الانكشاف الصارخ، يصبح واضحاً أن الصراع لم يعد فقط بين الفلسطينيين والاحتلال، بل بين الشعوب العربية التي ما تزال تؤمن بالحق والعدالة، وبين أنظمة ترى في إسرائيل بوابة البقاء في السلطة ووسيلة لحماية عروشها، ولو كان الثمن تصفية آخر ما تبقى من الحلم الفلسطيني.
اقرأ أيضًا : شبكة غامضة لتهجير الغزّيين: من يقف وراء “المجد”؟ تحقيق يكشف المخطط