رغم تعهدات الحكومة البريطانية المتكررة، لا يزال مئات المواطنين البريطانيين محتجزين في سجون دول أجنبية دون محاكمة عادلة أو مرافعة قانونية شفافة، بينما تصطدم عائلاتهم بجدران الصمت والتجاهل داخل مكاتب الخارجية البريطانية. وفي مقدمة هذه الوعود المعلقة، يقف تعهد وزير الخارجية ديفيد لامي بتعيين مبعوث خاص لشؤون المواطنين البريطانيين المحتجزين تعسفيًا في الخارج، وهو وعد أُطلق في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وتكرر هذا الشهر، دون أن يُترجم حتى الآن إلى أي إجراء فعلي.
الملف أعاد إلى الواجهة معاناة ريان كورنيليوس، رجل الأعمال البريطاني المحتجز في دبي منذ 17 عامًا، والذي لم تثمر المناشدات لعشرات النواب البريطانيين والنداءات الأممية عن أي تحرك ملموس من لندن. زوجته، هيذر كورنيليوس، عبّرت عن خيبة أملها بالقول: “كنت أحاول دائمًا الحفاظ على إيماني بالحكومة البريطانية، لكنهم لم يمنحونا أي سبب لذلك.” المفارقة أن الدعم جاء من دبلن لا من لندن، بعد أن حملت هيذر جواز السفر الأيرلندي وتوجّهت بالقضية إلى الحكومة الأيرلندية، التي أبدت اهتمامًا وتفاعلًا سريعًا، توّج بموقف قوي من البرلمان الأوروبي يدعو إلى الإفراج عنه ويطالب بريطانيا بالتحرك الفوري.
ومع أن الخارجية البريطانية تتعامل سنويًا مع نحو 28 ألف حالة تتطلب تدخلًا قنصليًا، إلا أنها ترفض الإفصاح عن عدد البريطانيين المحتجزين تعسفيًا، ومن بينهم أسماء بارزة مثل علاء عبد الفتاح، وجيمي لاي، ومهران رؤوف، وجاغتار سينغ جوهال.
رئيس الوزراء كير ستارمر قال الأسبوع الماضي إن الحكومة تعمل “بسرعة” لإطلاق دور المبعوث الخاص، مستوحاة من النموذج الأمريكي المعتمد في قضايا الرهائن. لكن نوابًا وخبراء حقوقيين شككوا في جدية الوعود، محذّرين من أن تأخر التنفيذ وتفريغه من مضمونه سيعزز “دبلوماسية الرهائن” التي تنتهجها بعض الأنظمة ضد رعايا الدول الغربية.
البرلمانية أليشا كيرنز، التي أسست المجموعة البرلمانية المعنية بالاحتجاز التعسفي، قالت بوضوح إن التعيين المرتقب قد يتحول إلى إجراء شكلي عديم الفاعلية إن لم يكن المبعوث شخصية رفيعة تملك الصلاحيات والموارد الكافية للتفاوض الفعلي ودعم العائلات. وأضافت أن على الحكومة الاستفادة من تجارب المعتقلين السابقين وعائلات الضحايا لبناء آلية فعالة بدلًا من إعادة إنتاج إخفاقات الماضي.
أما المحامية هايدي دييكستال، الموكلة عن أحمد الدوش – المواطن البريطاني المعتقل في السعودية على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي – فقد شددت على ضرورة أن تتحرك الحكومة بوضوح للمطالبة بالشفافية حول التهم الموجهة إليه، مؤكدة أن ما يتعرض له يشكّل حالة احتجاز تعسفي صريحة، لا ينبغي السكوت عنها.
الاجتماع الأخير الذي ضم بعض ممثلي العائلات بوزير شؤون الشرق الأوسط هاميش فالكُنر، وُصف من قبل الحاضرين بأنه “مخيب للآمال”، وسط مخاوف من أن الوعود التي أطلقها ديفيد لامي لن تُنفذ أو أنها مجرد محاولة لاحتواء الغضب العام. كريس باجيت، صهر ريان كورنيليوس، قال: “لم أرَ أي دليل على وجود تصميم حقيقي أو تصور واضح، ولا أملك أي أمل إلا إذا تغيرت أمور كثيرة.”
الملف يزداد تعقيدًا في حالة نامدي كانو، البريطاني الذي اختُطف من كينيا إلى نيجيريا في عملية “تسليم غير قانوني” بحسب عائلته. أخوه كينغسلي كانو يؤكد أنه لم يتلق أي تواصل من الحكومة البريطانية، رغم أن شقيقه لم يتلق زيارة قنصلية واحدة منذ أكثر من شهرين. وقال: “كنت أعتقد أن حكومة كير ستارمر ستكون مختلفة، لكن يبدو أن الجميع يواصلون تجاهل قضية أخي.”
في مايو الماضي، وجّه كانو رسالة إلى السفارة البريطانية في نيجيريا وصف فيها صمت الحكومة بأنه “تقاعس رسمي” عن حماية حقوق مواطن بريطاني، مشيرًا إلى أن التهرب من الموقف العلني لا يُعبر عن دبلوماسية رشيدة، بل عن عجز أخلاقي.
الانتقادات تتصاعد، والآمال تذبل، فيما تستمر الحكومة في إصدار بيانات مقتضبة من نوع: “نحن ملتزمون بتعزيز دعمنا للمواطنين البريطانيين، بما في ذلك من خلال تعيين مبعوث جديد.”
لكن الوقت يمر، والرهائن ينتظرون، وعائلاتهم لم تعد تقبل بالوعود… بل تريد أفعالًا تُعيد أبناءها إلى أحضانها، وتعيد شيئًا من الثقة التي انهارت على أبواب وزارات لم تفِ بواجبها.