في سابقة تنذر بكارثة إنسانية مزدوجة، قصفت قوات الدعم السريع مستشفيين في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان صباح الجمعة، مستهدفة منشآت صحية وأحياء سكنية بالمدفعية الثقيلة، في وقت يسجل فيه السودان واحدة من أسوأ موجات تفشي الكوليرا خلال العقد الأخير.

قصف مباشر على الضمان والسلاح الطبي

بحسب مصدر عسكري تحدث لوكالة “فرانس برس”، فإن الهجوم استهدف مستشفى الضمان ومشفى السلاح الطبي الواقعين وسط مدينة الأبيض، ما تسبب بحالة من الذعر في صفوف المدنيين، وتهديد مباشر لحياة عشرات المرضى والكوادر الطبية.

شهود عيان أكدوا بدورهم وقوع الهجمات، مشيرين إلى أن الأحياء المجاورة للمستشفيين تعرضت لقصف مكثف، ما يجعل الاستهداف يبدو متعمّدًا لا عرضيًا.

 في خلفية المشهد: الكوليرا تحصد الأرواح بصمت

يتزامن هذا القصف مع تصاعد خطير في حالات الإصابة بالكوليرا، حيث سجلت وزارة الصحة أكثر من 2700 إصابة جديدة و172 وفاة خلال أسبوع واحد فقط، في ولايات عدّة، من بينها شمال كردفان نفسها، والتي كانت من بين أكثر المناطق تضررًا.

وبحسب بيانات الوزارة، أكثر من 90% من الإصابات تتركز في ولايات الخرطوم، الجزيرة، شمال كردفان، سنار، النيل الأبيض ونهر النيل، في ظل عجز واضح عن احتواء انتشار المرض بسبب تدهور البنية التحتية الصحية.

 أطباء بلا حدود: النظام الصحي ينهار

منظمة “أطباء بلا حدود” وصفت الوضع في ولاية الخرطوم بأنه “بلغ مستويات خطيرة”، مشيرة إلى أنها تدير 7 من أصل 13 وحدة علاجية فقط، وتعاني من نقص فادح في الإمكانات.

وحذرت المنظمة من تفاقم الوضع، مطالبة الجهات المانحة والمنظمات الدولية بالتدخل العاجل لتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، لا سيما في ظل شلل عدد كبير من محطات المياه الرئيسية، واستخدام مياه ملوثة للشرب.

 أرقام مفزعة: أكثر من 60 ألف إصابة بالكوليرا و1632 وفاة حتى الآن

بحسب وزارة الصحة، فقد بلغ العدد الكلي للإصابات منذ أغسطس 2024 أكثر من 60 ألف حالة، بينها 1632 وفاة، في ظل انعدام الأمن، ونقص الإمدادات الطبية، وضعف الاستجابة الدولية.

 استهداف الصحة في زمن الوباء.. جريمة مضاعفة

إن استهداف المستشفيات في مدينة تعاني من تفشي وباء قاتل لا يمكن اعتباره خطأ عسكريًا، بل هو جريمة ممنهجة مزدوجة، تُمعن في تدمير النظام الصحي، وتحرم السكان من حقهم في العلاج وسط ظروف صحية هي الأقسى منذ بداية الحرب.

ويُنظر إلى هذا التصعيد على أنه جزء من سياسة “الأرض المحروقة” التي تتبعها قوات الدعم السريع في عدة ولايات سودانية، في ظل صمت دولي حيال انتهاكات ممنهجة ترقى إلى جرائم حرب.

 

في بلد يُقتل فيه المريض بالقصف إن نجا من الكوليرا، يصبح السكوت على هذه الانتهاكات شراكة ضمنية في الجريمة. ومع تعاظم الكارثة الصحية والأمنية، يُطرح السؤال الأهم:

هل يتحرك المجتمع الدولي أخيرًا لردع القتلة وإنقاذ ما تبقى من أرواح في السودان؟ أم أن السودانيين وحدهم سيدفعون الثمن بين نيران المدافع وسموم المياه؟

اقرأ أيضا: السودان يحترق بمخلفات الحرب: دعم إماراتي لمليشيا دمرت البلاد وخلفت الألغام والموت