في ساعةٍ مبكرة من فجر الثلاثاء، دوّى صوت الرصاص في قرية كفر قود غرب جنين، حيث نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية اغتيالٍ جديدة أسفرت عن استشهاد ثلاثة شبان فلسطينيين، لم تُعرف هويتهم بعد، قبل أن تحتجز قوات الاحتلال جثامينهم.
العملية التي جاءت ضمن سلسلة طويلة من الاغتيالات الميدانية في الضفة الغربية، تُعيد إلى الواجهة مجددًا سياسة “القتل بالاشتباه” التي يتبعها جيش الاحتلال، متذرعًا بذريعة “ملاحقة المقاومين”، بينما الواقع يؤكد أن ما يجري هو تصفيةٌ ممنهجة لكل من يرفع رأسه في وجه الاحتلال أو يفكر في المقاومة.
ووفقًا لوكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، اقتحمت قوات الاحتلال القرية بتعزيزاتٍ عسكرية كبيرة، وحاصرت منطقة زراعية بالكامل، قبل أن تطلق النار بكثافة على مجموعة من الشبان داخلها. دقائق معدودة كانت كافية لتحويل المشهد إلى مجزرة، حيث أُعدم الشبان الثلاثة ميدانيًا ثم نُقلت جثامينهم إلى جهة مجهولة، في مشهد بات مألوفًا في الضفة الغربية خلال العامين الأخيرين.

تصعيد ميداني ممنهج وتواطؤ سياسي فاضح
العملية الإسرائيلية لم تأت بمعزل عن سياقٍ عام من التصعيد في الضفة الغربية، بل ضمن خطة عسكرية وأمنية متكاملة تهدف إلى تفريغ مناطق المقاومة من عناصرها، خصوصًا في جنين ونابلس وطولكرم، التي تشكل اليوم مثلثًا لمعادلة الرد على الاحتلال.
لكن الأخطر من ذلك أن هذا التصعيد يترافق مع صمتٍ رسمي فلسطيني، بل وتنسيقٍ أمني مكشوف مع الاحتلال عبر أجهزة السلطة في رام الله. فبينما تتدفق دماء الشهداء في شوارع جنين، تواصل أجهزة محمود عباس حملات الاعتقال السياسي في صفوف الشباب المقاومين، وتنسق ميدانيًا مع الاحتلال في ملاحقة من تصفهم إسرائيل بـ”المطلوبين”.
هذا الواقع جعل كثيرين في الشارع الفلسطيني يرون في هذه العمليات الإسرائيلية ثمرة مباشرة لـ”عمالة عباس” وتواطؤ أجهزته، التي باتت تشكل ذراعًا أمنية للاحتلال داخل المجتمع الفلسطيني. فغياب أي ردّ رسمي على اغتيال المقاومين، يقابله حضور أمني متزايد لقوات السلطة في مناطق أخرى لملاحقة من يعارضون نهج التنسيق الأمني، ما يعمق الانقسام ويضعف الجبهة الداخلية.
ووفق تقارير ميدانية، فإن قوات الاحتلال باتت تعتمد على قاعدة بيانات مشتركة مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية لتحديد أهدافها، في ظل ما تصفه المصادر الإسرائيلية بـ”التنسيق الميداني الاستباقي” الذي يسمح للجيش الإسرائيلي بالتحرك بحرية في مناطق “أ”، وهي نظريًا خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية.
الضفة تحترق والمستوطنون يعبثون
في الوقت الذي كانت فيه جنين تلملم جراحها على وقع دماء الشهداء الثلاثة، كانت الأغوار الشمالية على موعدٍ مع عدوانٍ آخر من نوع مختلف، إذ أقدم مستوطنون على تخريب شبكة مياهٍ رئيسية في منطقة خلة خضر الفارسية، تعود ملكيتها للمواطن جمال دراغمة، ما أدى إلى تدمير أراضٍ زراعية تمتد لعشرات الدونمات.
الاعتداء الجديد ليس إلا حلقة ضمن سلسلة طويلة من الجرائم الاستيطانية التي تستهدف طرد الفلسطينيين من أراضيهم في الأغوار الشمالية، وهي سياسة مدروسة تهدف إلى إفراغ المنطقة بالكامل وضمّها تدريجيًا إلى الكيان الإسرائيلي.
وخلال العامين الماضيين، اضطرّت عشرات العائلات إلى الرحيل عن أراضيها بعد تصاعد اعتداءات المستوطنين المدعومين بشكلٍ مباشر من جيش الاحتلال، الذي يوفر لهم الحماية أثناء تنفيذ عمليات التخريب والاعتداء. والنتيجة أن عدة تجمعات سكانية فلسطينية في الأغوار باتت خالية تمامًا من سكانها، في عملية تطهيرٍ صامتة تجري تحت أنظار السلطة والعالم.
رسالة الاغتيال.. الردع بالموت والصمت الرسمي
تحمل عملية كفر قود أكثر من رسالة؛ فهي من جهةٍ تأتي لتأكيد هيمنة الاحتلال على الضفة وفرض معادلة الردع بالقتل، ومن جهةٍ أخرى توجّه رسالة سياسية مبطنة بأن لا حصانة لأحد، حتى داخل القرى الصغيرة.
لكن اللافت أن الرد الرسمي الفلسطيني اقتصر على بياناتٍ خجولة من وزارة الخارجية في رام الله، دون أي خطواتٍ عملية أو تحركٍ سياسي في المحافل الدولية، وهو ما فسره محللون بأنه استمرار لنهج السلطة في تقديم “خدمات أمنية مجانية” للاحتلال مقابل البقاء السياسي والمالي.
وفي المقابل، تُظهر مشاهد الغضب الشعبي في جنين ونابلس وبيت لحم أن الشارع الفلسطيني بات يرى بوضوح حجم التواطؤ بين الاحتلال وأجهزة عباس، وأن “دماء المقاومين” أصبحت الورقة التي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني وحده، بينما يستمر التنسيق الأمني في حصد أرواح الميدان.
خاتمة: جنين تقاتل وحدها
مرةً أخرى، تثبت جنين أنها رأس الحربة في المواجهة مع الاحتلال، وأنها تدفع الثمن مضاعفًا: رصاص الاحتلال من جهة، وصمت السلطة من جهةٍ أخرى.
الاغتيال الميداني لثلاثة مقاومين واحتجاز جثامينهم ليس حادثًا عرضيًا، بل هو امتدادٌ لسياسةٍ إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة المقاومة في الضفة، في ظل تواطؤ محمود عباس الذي يكتفي بدور “المراقب الصامت” على مجازر الاحتلال.
وفي ظل هذا المشهد الدموي، يبدو أن معادلة “الأمن مقابل البقاء” التي اختارها عباس بلغت نهايتها، وأن الشارع الفلسطيني في جنين وغيرها بدأ يستعيد وعيه بأن مقاومته لا يمكن أن تُدار من رام الله، بل من الميدان الذي تصنعه دماء الشهداء.
اقرأ أيضًا : الخرطوم تدعو لحماية المدنيين بعد تقدم “الدعم السريع” في الفاشر وسط اتهامات بتورط إماراتي في إشعال الصراع