كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن بلاده أرسلت طائرات مقاتلة إلى النيجر عقب محاولة الانقلاب التي شهدتها العاصمة نيامي أواخر أغسطس/آب الماضي، مؤكداً أن الجزائر تقف إلى جانب جارتها الجنوبية ومستعدة للدفاع عن مصالحها وأصدقائها، في وقت تعيد فيه تصريحاته إلى الواجهة اتهاماته السابقة للإمارات بالعمل على زعزعة استقرار منطقة الساحل.

وقال تبون، خلال مقابلة مع وسائل إعلام محلية، إن قرار إرسال المقاتلات جاء بعدما «تمادى البعض»، واعتبر أن ما حدث في النيجر كان بمثابة «استفزاز» مباشر للجزائر، خصوصاً أن رئيس وزراء النيجر علي مهامان لامين زين كان قد زار الجزائر قبل محاولة الانقلاب بفترة وجيزة، وعاد إلى بلاده ليلاً قبل اندلاع الأحداث.

وأضاف تبون، متحدثاً عن موقف بلاده من التطورات: «تريد استفزازي؟ مرحباً، سأرسل الطائرات»، مؤكداً أن الجزائر تقف إلى جانب النيجر «قولاً وفعلاً»، وأنها مستعدة لحماية مصالحها وعلاقاتها الاستراتيجية مع دول الجوار.

وكانت وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت في 30 أغسطس/آب إرسال أربع مقاتلات من طراز «سوخوي Su-30» إلى نيامي، برفقة طائرة للتزود بالوقود، استجابة لطلب من سلطات النيجر وفي أعقاب محاولة زعزعة الاستقرار التي شهدتها البلاد.

وبحسب السلطات النيجرية، شهدت ليلة 28 إلى 29 أغسطس/آب تحركاً لعسكريين متمردين بدأ من القاعدة الجوية 101 في نيامي، قبل أن يمتد إطلاق النار إلى مواقع استراتيجية في العاصمة، فيما تدخلت القوات الموالية للسلطات وتمكنت من استعادة السيطرة على المواقع المستهدفة.

اتهامات سابقة للإمارات

وتكتسب تصريحات تبون أهمية إضافية في ضوء الصراع السياسي المتصاعد بين الجزائر وأبوظبي، إذ سبق للرئيس الجزائري أن وجّه اتهامات مباشرة إلى الإمارات بالعمل على إثارة الاضطرابات وزعزعة استقرار دول في منطقة الساحل، وهي اتهامات تزامنت مع تدهور غير مسبوق في العلاقات بين البلدين.

وفي حديثه الأخير عن محاولة الانقلاب في النيجر، لم يسمِّ تبون الإمارات صراحة عندما قال إن «البعض تمادى»، إلا أن حديثه يأتي ضمن سياق سياسي أوسع حمّل فيه أبوظبي مراراً مسؤولية التحرك ضد المصالح الجزائرية في محيطها الإقليمي، ولا سيما في منطقة الساحل.

وتصاعد الخلاف بين الجزائر والإمارات خلال السنوات الأخيرة على خلفية ملفات إقليمية متعددة، قبل أن يصل إلى مستوى غير مسبوق خلال 2026، وسط اتهامات جزائرية لأبوظبي بالتدخل في دول الجوار ودعم تحركات تعتبرها الجزائر تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

كما جاءت محاولة الانقلاب في النيجر قبل أيام قليلة من وصول الأزمة الجزائرية الإماراتية إلى مرحلة القطيعة الدبلوماسية، ما أضفى بعداً إضافياً على حديث تبون عن وجود أطراف «تمادَت» في محاولة العبث باستقرار المنطقة.

ومع ذلك، لم يقدم الرئيس الجزائري في حديثه الأخير دليلاً معلناً يربط الإمارات مباشرة بالمحاولة الانقلابية في نيامي، كما أن السلطات النيجرية كانت قد وجهت اتهامات إلى فرنسا بالضلوع في المحاولة، وهو ما نفته باريس.

«نستطيع الدفاع عن أصدقائنا»

وتحدث تبون كذلك عن المصالح الاستراتيجية التي تربط الجزائر بالنيجر، موضحاً أن البلدين وقعا اتفاقيات في قطاعات المناجم والنفط، فضلاً عن التعاون الأمني والعسكري.

وقال الرئيس الجزائري: «لدينا مصالح في النيجر، ووقعنا عدة اتفاقيات في المناجم والنفط»، مؤكداً أن الجزائر تستطيع الدفاع عن أصدقائها وعن المصالح المشتركة التي تجمعها بدول المنطقة.

كما رفض اعتبار إرسال المقاتلات تحولاً كاملاً في العقيدة العسكرية الجزائرية، موضحاً أن الدستور يسمح بتحركات عسكرية خارج الحدود في حالات محددة.

وتكشف الخطوة في الوقت نفسه عن تحول لافت في طريقة تعامل الجزائر مع الأزمات الأمنية في محيطها، بعدما انتقلت من الاكتفاء بالدعم السياسي والتنسيق الأمني إلى إرسال قوة جوية بصورة معلنة إلى دولة مجاورة.

وتنظر الجزائر إلى استقرار النيجر باعتباره جزءاً مباشراً من أمنها القومي، نظراً إلى الحدود الطويلة بين البلدين، وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب في منطقة الساحل، فضلاً عن المنافسة الإقليمية والدولية المتصاعدة على النفوذ في المنطقة.

وبين إرسال مقاتلات «سوخوي» إلى نيامي، ووصف محاولة الانقلاب بأنها «استفزاز» للجزائر، واتهامات تبون السابقة للإمارات بمحاولة زعزعة استقرار دول الساحل، تبدو رسالة الجزائر أكثر وضوحاً: أي محاولة لإعادة تشكيل التوازنات في جوارها الجنوبي بما يهدد مصالحها لن تبقى، من وجهة نظر القيادة الجزائرية، بلا رد.