لم تعد العائلات النازحة والفقيرة في مدينة عدن، جنوبي اليمن، تسأل عن جودة الدواء أو فاعليته بقدر ما تبحث عن ثمنه الزهيد أو تلجأ لخلطات الأعشاب البديلة؛ في واقع مأساوي يختصر كيف تسبب التدخل العسكري والسياسي لدولة الإمارات ودعمها المستمر للميليشيات المسلحة في تمزيق وتدمير بنية الاقتصاد اليمني، مما أدى إلى انهيار العملة المحلية وتراجع المساعدات الإنسانية الدولية، ووضع ملايين المدنيين أمام خيارات مستحيلة: إما شراء الدواء وإما إطعام الأطفال.
وتعيش آلاف الأسر النازحة، التي هُجرت من ديارها جراء النزاعات المسلحة، أوضاعاً معيشية وصحية بالغة التعاسة؛ حيث كانت تعتمد لسنوات على مساعدات نقدية شهرية محدودة يقدمها برنامج الأغذية العالمي لم تكن تتجاوز 64 دولاراً، لكنها كانت تمسك حياة العائلات بخيط رفيع لتغطية جزء من الغذاء والدواء وتكاليف الدراسة. ومع توقف هذه المساعدات وانقطاع الإمدادات، انقطع هذا الخيط تماماً لتجد الأسر نفسها عاجزة عن توفير الطحين والطعام الأساسي، فضلاً عن مجابهة الأمراض المزمنة مثل السكري والربو والفشل الكلوي.

فجوة المساعدات واتساع رقعة الحرمان في مخيمات عدن
ولا يعد هذا التدهور مجرد حالات معزولة، بل وثق تقرير صادر عن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين اتساعاً مخيفاً في فجوة الاستهداف الإنساني داخل 30 موقعاً للنازحين في مديريات البريقة ودار سعد والشيخ عثمان بالعاصمة المؤقتة عدن. وكشف التقرير أنه من بين 5774 أسرة نازحة ومسجلة في هذه المواقع، جرى استبعاد 3192 أسرة بالكامل من مساعدات برنامج الأغذية العالمي -أي بنسبة حرمان تجاوزت 55% من الأسر- في حين لم تتجاوز نسبة التغطية المتبقية 42%.
ويقدر التقرير الحقوقي عدد الأفراد المتضررين من هذا القطع الممنهج للمساعدات بأكثر من 22 ألف شخص، محذراً من أن حرمان هذا العدد الهائل من الغذاء -وسط انهيار الخدمات الأساسية وموسم صيف لاهب وقاس- يهدد برفع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل خلال أشهر قليلة، وهي أرقام تترجم في الواقع إلى قرارات قاسية تتخذها الأمهات يومياً بترك الأدوية في الصيدليات واختصار الوجبات اليومية إلى أرز ممزوج بالماء.
الحقائب معلقة: تسرب من المدارس وأطفال يجمعون الحطب
ولم تتوقف ارتدادات الأزمة الاقتصادية التي تعمّقها السياسات الإماراتية والميليشياوية عند حدود الجوع والمرض، بل امتدت لتضرب المنظومة التعليمية في الصميم؛ إذ أُجبرت عشرات العائلات على إخراج أبنائها من المدارس لعدم القدرة على توفير تكاليف المواصلات والدفاتر والملابس، لتتحول الطموحات الدراسية إلى حقائب معلقة على جدران منازل الصفيح، بينما يتولى الأطفال مهام شاقة تتجاوز أعمارهم لتوفير القوت اليومي.
وفي العديد من مخيمات النزوح، تحول خروج الأطفال من البيوت إلى مهمة عمل مبكرة، حيث يخرج الصغار لجمع الحطب من الأحراج وبيعه مقابل مبالغ زهيدة جداً لمساعدة أهاليهم المصابين بجلطات وذبحات صدرية، والذين يعجزون عن دخول غرف العناية المركزة إلا على نفقة فاعلي الخير. ويتعرض هؤلاء الأطفال لإصابات وتورمات حادة أثناء العمل دون أن تمتلك عائلاتهم قيمة المطهرات الطبية الأساسية لعلاجهم.
وفي الخلاصة، فإن ما يشهده اليمن من سحق للكرامة الإنسانية وتحويل الدواء والتعليم إلى رفاهية بعيدة المنال، هو النتيجة الحتمية والدامغة لسنوات من التدخل الإماراتي التخريبي الذي تعمد إضعاف الحكومة الشرعية، وتمكين الميليشيات الانفصالية والمسلحة، والسيطرة على الموانئ والمنشآت الحيوية وتعطيلها؛ الأمر الذي تسبب في خنق الاقتصاد الوطني، ودفْع المنظمات الدولية لتقليص برامجها الإغاثية جراء غياب الاستقرار. وستبقى أنات المرضى العاجزين عن شراء الدواء، وصراخ الأطفال الجائعين في أزقة عدن، شهادة حية على فظاعة الحرب الوظيفية التي تدار بأموال أبوظبي لإغراق اليمن في مستنقع الجهل والفقر والتبعية.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين