في تقريرها الجديد الصادر في يوليو 2025، فجّرت منظمة العفو الدولية “أمنستي” موجة جديدة من الانتقادات الحادة تجاه المملكة العربية السعودية، متهمة نظام محمد بن سلمان باستخدام عقوبة الإعدام كأداة سياسية وأمنية لقمع فئات بعينها، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.

التقرير الذي حمل نبرة إدانة غير مسبوقة، وثّق تنفيذ السعودية لـ1816 حكم إعدام خلال عشر سنوات فقط، مشيرًا إلى أن غالبية هذه الأحكام جاءت بعد محاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة، واستهدفت بشكل واضح الأجانب، والأقلية الشيعية، وحتى القُصّر.

أولًا: الإعدامات بلا رحمة.. وأغلب الضحايا من الأجانب

أبرز ما جاء في التقرير هو العدد الصادم لضحايا الإعدامات في السعودية بين 2014 و2025: 1816 شخصًا، بينهم ما لا يقل عن 597 في قضايا تتعلق بالمخدرات فقط. المنظمة لفتت إلى أن ما نسبته 75% من هؤلاء كانوا أجانب، في دلالة واضحة على التمييز المؤسسي ضد العمالة الوافدة، التي غالبًا ما تُحرم من محاكمة عادلة، وتواجه عقوبات مفرطة دون تمثيل قانوني أو دعم قنصلي.

التقرير أشار إلى أن الإعدامات بتهم المخدرات -التي لا تعتبر وفق القانون الدولي من “الجرائم الأشد خطورة” التي تستوجب الإعدام- تصاعدت بشكل مرعب في السنوات الأخيرة، لا سيما منذ تراجع السلطات السعودية عن وقف مؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام في هذه القضايا في نوفمبر 2022، بعد أن كانت قد أعلنت عن تعليقها في 2021. ومنذ ذلك الحين، أعدمت السعودية 262 شخصًا بتهم مخدرات، ما يعادل قرابة نصف الإعدامات المرتبطة بهذه الجرائم خلال العقد الأخير.

المنظمة وثقت أيضًا إعدامات لأشخاص من جنسيات عدة مثل إثيوبيا، باكستان، مصر، سوريا، الصومال، نيجيريا، والأردن، حيث غاب الدعم القنصلي، وسُجلت شهادات عن انتزاع اعترافات تحت التعذيب، وغياب الترجمة أثناء المحاكمة، ما يجعل هذه المحاكمات باطلة وفق المعايير الدولية.

ثانيًا: تصعيد غير مسبوق في عهد محمد بن سلمان

بحسب التقرير، فإن العام 2024 وحده شهد تنفيذ 345 حكم إعدام، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة في تاريخ السعودية الحديث منذ مطلع التسعينات. والأخطر أن 122 من هذه الإعدامات كانت في قضايا مخدرات، رغم الوعود السابقة بإلغاء العقوبة في هذه النوعية من القضايا.

وتواصل التصعيد في النصف الأول من عام 2025، حيث سجلت “أمنستي” تنفيذ 180 حكم إعدام حتى نهاية يونيو فقط، من بينها 37 حكمًا في شهر واحد (يونيو)، منها 34 لأجانب. أي أن السعودية كانت تنفذ بمعدل شخص أو أكثر يوميًا خلال هذا الشهر فقط، وهو ما اعتبرته المنظمة “مؤشرًا مرعبًا” على حجم الانفلات في استخدام هذه العقوبة.

هذا التصاعد يتزامن مع السياسات القمعية المتزايدة منذ صعود محمد بن سلمان إلى السلطة، حيث لم تعد الإعدامات أداة قضائية بل تحولت إلى أداة ترهيب وتصفية حسابات سياسية وطائفية. وقد تمثل ذلك بشكل واضح في استهداف الشيعة، الذين يشكلون قرابة 10 إلى 12% من السكان، حيث أشار التقرير إلى أنهم يشكلون 42% من من أعدموا بتهم الإرهاب، في ما يعتبره مراقبون توظيفًا سياسيًا للقضاء لتصفية خصوم دينيين ومذهبيين.

ولم يتوقف الأمر عند الكبار، بل طال القاصرين أيضًا. إذ وثقت “أمنستي” حالات سبعة شبان يواجهون أحكام إعدام، بعضهم ارتكب “الجرائم المزعومة” وهم تحت سن 18، في خرق واضح لاتفاقية حقوق الطفل التي انضمت إليها السعودية رسميًا، لكنها تنتهكها علنًا، دون رادع دولي.

ثالثًا: دعوة إلى تحرك دولي لوقف “فورة الدم”

المنظمة، على لسان كريستين بيكرلي، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، دعت المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط جدية على السلطات السعودية، ووصفت الإعدامات الجماعية بأنها شكل من أشكال الإعدام السياسي الممنهج، خاصة في ظل تسييس القضاء، وغياب الشفافية، ورفض النظام فتح المجال أمام الرقابة أو التحقيق المستقل في القضايا الجنائية التي تُفضي إلى أحكام الإعدام.

بيكرلي شددت على أن “عقوبة الإعدام هي أقصى أشكال القسوة والإهانة للكرامة الإنسانية”، مضيفة أن تنفيذها في قضايا لا ترقى لمستوى الجرائم الكبرى يُعد تعديًا مباشرًا على روح القانون الدولي، مشيرة إلى أن “ما يجري في السعودية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مسألة داخلية، بل قضية دولية تتعلق بحقوق الإنسان والحياة”.

المنظمة طالبت بفرض وقف فوري ومؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام في السعودية، تمهيدًا لإلغائها تمامًا، خاصة أن السعودية تظهر -في العلن- وجهًا إصلاحيًا مزيفًا يروّج لرؤية 2030 وانفتاح اقتصادي واجتماعي، فيما يُخفي وجهًا دمويًا يتغذى على تكميم الأفواه وسحق الفئات الضعيفة.

خاتمة: الدم كأداة حكم

تقرير “أمنستي” الأخير ليس مجرد وثيقة حقوقية بل إدانة شاملة للنظام القضائي والأمني السعودي الذي حوّل السيف إلى أداة لإسكات الخصوم، وفرض الهيمنة بالقوة على الفئات المهمشة، سواء كانوا أجانب بلا حماية، أو أقليات شيعية، أو حتى أطفال لم يبلغوا سن الرشد. وفي ظل هذا النزيف، يبقى السؤال معلقًا: هل سيتحرك المجتمع الدولي قبل أن يغرق محمد بن سلمان بلاده بدماء المزيد من الأبرياء؟

اقرأ أيضًا : قرار قضائي يقضي بترحيل 8 مهاجرين من جنسيات مختلفة إلى جنوب السودان رغم المخاطر