شهدت مصر خلال الأيام الماضية موجة واسعة من الجدل والتساؤلات بعد صدور تحذيرات إعلامية متكررة حول “حدث كبير وشيك”، وسط صمت رسمي مطبق، وتصريحات إعلاميين محسوبين على النظام المصري أطلقت موجات من الذعر والتأويل بين المواطنين، الذين اعتادوا ربط هذه التحذيرات بقرارات مفاجئة أو أحداث أمنية حساسة.
ويأتي هذا التصعيد الكلامي في وقت بالغ التعقيد إقليمياً، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتداعيات الحرب المستمرة في غزة.

تمهيد نفسي أم إنذار فعلي؟
منذ 20 مايو/أيار، توالت التصريحات المثيرة للقلق من إعلاميين معروفين بقربهم من أجهزة المخابرات، ما دفع رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى اعتبار هذه الحملة الإعلامية أشبه بعملية “تهيئة نفسية” لقرار أو حدث مفصلي يجري الإعداد له خلف الكواليس.
الإعلامي أحمد موسى، في برنامجه على قناة “صدى البلد”، دعا الشعب المصري إلى “اليقظة والتركيز”، محذرًا من صدمات محتملة نتيجة “تغيرات في المواقف الخارجية” قد تكون لها “تداعيات خطيرة”، دون تحديد طبيعتها.
واعتبر البعض أن تصريحاته تبدو وكأنها صدى لتحذيرات أمنية داخلية يتم تمريرها عبر الإعلام التابع للنظام.
بدوره، كتب الإعلامي المثير للجدل توفيق عكاشة تغريدة مقتضبة قال فيها: “سوف يشهد العالم حدثًا جسيما خلال الفترة القادمة”، دون أي تفصيل إضافي، بينما اختار نشأت الديهي، أحد وجوه الإعلام الحكومي، أسلوبًا أقرب إلى المقال التحليلي عبر صحيفة الجمهورية، محذرًا من فقدان الثقة بين الأطراف الإقليمية وانهيار الثوابت في الشرق الأوسط، مؤكدًا أن مصر تقف في قلب هذا المنعطف.
أما الإعلامي عمرو أديب، فحاول على ما يبدو احتواء القلق الشعبي المتصاعد، فنفى وجود معلومات دقيقة أو تسريبات مؤكدة، لكنه لم يُنكر وجود حالة عامة من الترقب داخل الدولة، مكتفياً بوصف التهويل الإعلامي بـ”الخزعبلات”.
ورغم محاولته التهدئة، إلا أن مداخلته زادت من الغموض والريبة، وفق تعليقات كثير من المتابعين.
“إعلام السامسونج”.. أداة السلطة لتوجيه الرأي العام
الواضح أن هذه الحملة الإعلامية ليست عفوية أو معزولة، بل تأتي ضمن استراتيجية مألوفة في المشهد السياسي المصري، تعتمد على ما يسمى شعبيًا بـ”إعلام السامسونج”، وهو وصف ساخر أطلقه مصريون على الإعلاميين المرتبطين مباشرة بأجهزة الأمن والمخابرات، الذين لا يتحركون إلا بإيعاز من السلطات، وتُدار تصريحاتهم وفق سيناريوهات مدروسة تهدف إلى تمرير قرارات قاسية أو خلق رأي عام داعم للتوجهات الرسمية.
ومع انتشار الغموض، أشار مراقبون إلى أن هذا النوع من التمهيد الإعلامي لطالما ارتبط في مصر بإجراءات اقتصادية مؤلمة، كرفع الدعم أو تعويم الجنيه، أو حتى بالتغييرات السياسية الحادة مثل التعديلات الدستورية أو حملات الاعتقالات.
وقد رأى كثيرون أن الغاية من التحذيرات الحالية قد تكون تمهيدًا لقرارات سياسية أو أمنية خطيرة، أو حتى تورط مباشر في تصعيد عسكري بالمنطقة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في غزة وتأثيرها على الدور المصري في الوساطة.
وسائل التواصل تشتعل بالتحليلات والقلق
انتقل هذا الجدل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر آلاف المصريين عن قلقهم من تكرار نمط استخدام الإعلام لبث الذعر قبيل تنفيذ إجراءات تمس حياتهم مباشرة. كتب أحد المعلقين: “عمرو أديب وأحمد موسى بيقولوا فيه حاجة كبيرة جاية، لكن ولا حد فيهم قادر يقول إيه هي.. كأنهم بيجهزونا على نار هادية لخبر صادم”.
وغرد آخر: “نفس اللعبة كل مرة.. الإعلام يتكلم عن حاجة كبيرة، الناس تخاف، وبعدين يصدروا قرارات اقتصادية أو أمنية صعبة.. ده تمهيد نفسي مش أكثر”. وعلّق ثالث ساخرا: “هم بيكلمونا عن حدث جاي، ولا كأننا بنصور حلقة من مسلسل نهاية العالم!”.
وأمام هذا القلق، برز سؤال جوهري يتردد بين المصريين: لماذا هذا الغموض المقصود؟ وما الهدف من بث الرعب دون إفصاح عن طبيعة الحدث؟ وهل يعني ذلك أن الدولة نفسها لا تملك السيطرة على ما سيقع، أم أنها تهيئ الأذهان لتقبل قرار لن يرضى عنه الشارع؟
خاتمة: القلق عنوان المرحلة
في النهاية، تعكس هذه التحذيرات حالة من القلق داخل النظام نفسه، وليس فقط في الشارع. فحين يُستخدم الإعلام لتخويف الناس دون تقديم معلومة دقيقة، فإن ذلك لا يُعبّر عن شفافية أو نضج سياسي، بل يُعطي انطباعًا بوجود ارتباك أو مخطط يجري تمريره بصمت.
وبانتظار “الحدث الكبير” الذي يلوّح به إعلام السلطة، يبقى الشارع المصري في حالة ترقّب مشوبة بالخوف والشك، لا سيما في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وتآكل الثقة بين الشعب والدولة، وغياب الشفافية في إدارة الملفات الوطنية.
اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجّج الحرب وتُشعل الوباء: الكوليرا تحصد الأرواح في الخرطوم وسط انهيار صحي بالسودان