كشفت مصادر مطلعة عن تحركات إماراتية متسارعة وسرية في السودان خلال الأسابيع الأخيرة، في محاولة لتثبيت النفوذ على الأرض قبل أن تتحول الضغوط الدولية المتزايدة على أبوظبي إلى إجراءات أكثر صرامة بشأن دورها في الحرب ودعمها المتهم لميليشيا الدعم السريع.
وبحسب تقرير «إمارات ليكس»، تدرك الإمارات أن هامش الحركة أمامها يتقلص مع تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن فرض عقوبات ومساءلة الجهات الخارجية التي يثبت تقديمها دعمًا عسكريًا أو ماليًا لأطراف الحرب السودانية، وهو ما يدفع أبوظبي إلى محاولة خلق وقائع ميدانية يصعب تجاوزها في أي تسوية سياسية لاحقة.
تثبيت الدعم السريع قبل تضييق الخناق
يربط التقرير بين التحركات الإماراتية وبين الظهور الإعلامي المتكرر لقائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وخطابه التصعيدي الذي يسعى إلى التأكيد أن الميليشيا لا تزال قوة لا يمكن تجاوزها سياسيًا أو عسكريًا.
الفكرة بالنسبة إلى أبوظبي، وفق قراءة التقرير، واضحة: إذا تمكن الدعم السريع من الحفاظ على قدر من السيطرة والنفوذ، فسيدخل أي تفاوض مستقبلي من موقع أقوى، وهو ما يحفظ للإمارات ورقة تأثير مباشرة داخل السودان حتى لو تغيرت المواقف الدولية لاحقًا.
أكثر من 1300 طن من السلاح
تزامنت هذه التحركات مع كشف تحقيق لمنصة «دارك بوكس» عن العثور على أكثر من 1300 طن من الأسلحة والإمدادات العسكرية في مدينتي بارا وجبرة الشيخ بعد استعادتهما من قوات الدعم السريع.
وبحسب الجرد الأولي، عُثر على نحو 480 طنًا من الأسلحة في بارا، وأكثر من 850 طنًا في جبرة الشيخ، إضافة إلى أكثر من 240 مركبة قتالية ومدرعة، وثمانية مستودعات للأسلحة والذخائر، وعشرة مستودعات للإمدادات الطبية، فضلًا عن كميات ضخمة من الوقود.
ويرى مسؤولون عسكريون سودانيون، بحسب التحقيق، أن هذه الكميات يصعب تفسيرها باعتبارها غنائم حرب أو مشتريات محلية فقط، وأنها تشير إلى شبكة إمداد واسعة وفّرت للميليشيا القدرة على الاستمرار في القتال لفترات طويلة.
أصابع الاتهام تعود إلى الإمارات
تعيد هذه الاكتشافات إلى الواجهة الاتهامات السودانية المتكررة لأبوظبي بتمويل وتسليح وإمداد ميليشيا الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات باستمرار وتؤكد أنها لا تدعم أي طرف عسكري في الحرب.
لكن حجم الترسانة المكتشفة يعيد طرح السؤال حول مصدر الأسلحة والذخائر والمركبات والوقود، وكيف استطاعت ميليشيا مسلحة الحفاظ على هذه البنية اللوجستية الضخمة طوال فترة الحرب.
وهنا تصبح المسألة أكبر من شحنة سلاح أو رحلة واحدة؛ فالحديث عن مئات الأطنان من المعدات يعني، إذا ثبت مصدرها الخارجي، وجود منظومة دعم وتمويل ونقل مستمرة وليست عمليات متفرقة.
المستشفيات تحولت إلى مخازن عسكرية
ووفق التحقيق ذاته، عُثر داخل مستشفى جبرة الشيخ على ذخائر وطائرات مسيّرة ومعدات قتالية، بينما استُخدمت أجزاء من المنشأة لإيواء مقاتلين وتخزين عتاد عسكري.
كما تعرضت أقسام في المستشفى، بينها جناح الأطفال وغرف العمليات، للتخريب وفقدت تجهيزاتها الطبية، فيما أزيلت منظومة الطاقة الشمسية التي كانت تغذي المنشأة، ما أدى إلى توقف خدماتها الصحية.
وإذا ثبت استخدام المنشآت الطبية عسكريًا عبر تحقيق مستقل، فإن ذلك قد يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
أبوظبي تخشى مرحلة المساءلة
التحرك الإماراتي لا يبدو منفصلًا عن تغير البيئة الدولية. فبحسب التقرير، تتزايد داخل المؤسسات الأمريكية الدعوات إلى مساءلة الرعاة الخارجيين للحرب السودانية، مع طرح مشروعات قوانين وعقوبات محتملة لم تتحول بعد إلى تشريعات نافذة.
وفي موازاة ذلك، تتزايد التحقيقات الصحفية والحقوقية التي تتناول الدور الإماراتي في السودان، ما يهدد الصورة التي حاولت أبوظبي بناءها باعتبارها وسيطًا أو داعمًا للعمل الإنساني.
ومن هنا يمكن فهم تسابق الإمارات مع الوقت: كلما زادت احتمالات العقوبات والمساءلة، أصبح تثبيت حليفها الميداني أكثر أهمية لضمان استمرار نفوذها في السودان.
لماذا السودان مهم لبن زايد؟
لا ينفصل السودان عن استراتيجية إماراتية أوسع تمتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فأبوظبي بنت خلال السنوات الماضية شبكة نفوذ تعتمد على الموانئ والاستثمارات والعلاقات الأمنية والقوى المحلية المسلحة، ويشكل السودان جزءًا مهمًا من هذه الخريطة بسبب موقعه على البحر الأحمر وموارده الطبيعية وصلته بالقرن الأفريقي وممرات التجارة الدولية.
ولهذا فإن خسارة الدعم السريع لا تعني بالنسبة إلى الإمارات خسارة حليف محلي فقط، بل خسارة واحدة من أهم أدوات التأثير التي بنتها داخل السودان.
الدعم السريع يقاتل.. وأبوظبي تحاول حماية استثمارها السياسي
تكشف الصورة التي يرسمها التقرير أن الإمارات لا تتحرك اليوم لإنهاء الحرب بقدر ما تحاول ضمان ألا تخرج منها بلا نفوذ.
فكل مدينة يحتفظ بها الدعم السريع، وكل قوة عسكرية ينجح في الحفاظ عليها، تتحول إلى ورقة تفاوضية يمكن أن تستخدمها أبوظبي لاحقًا.
ومع تضييق الخناق الدولي، تبدو الإمارات في سباق مع الزمن: تثبيت ميليشيا الدعم السريع قبل أن تصل العقوبات، وحماية نفوذ محمد بن زايد قبل أن يتحول ملف السودان من مساحة للمناورة إلى ملف مساءلة دولية. أما السودانيون، فهم من يدفعون ثمن هذا الصراع على النفوذ بالسلاح والتهجير والدمار.