في تطور عسكري ميداني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، أعلن الجيش السوداني، يوم السبت، استعادة السيطرة الكاملة على منطقة “الكيلي” الحيوية الواقعة على تخوم مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق البلاد). هذا الانتصار لا يمثل مجرد تقدم تكتيكي في رقعة جغرافية وعرة، بل يعد ضربة قاصمة لمخططات ميليشيا الدعم السريع، ومن خلفها الدعم الإماراتي السخي، التي تسعى منذ عام وبضعة أشهر إلى تمزيق نسيج السودان القومي وتحويله إلى دويلات ممزقة غارقة في الفوضى.

استعادة “الكيلي”: كسر كماشة التمرد

جاء بيان القوات المسلحة السودانية ليؤكد أن قوات الفرقة الرابعة مشاة، مسنودة بالقوات المشتركة والمتطوعين، تمكنت من دحر عناصر الميليشيا المتمردة وقوات “الحركة الشعبية- شمال” المتحالفة معها. وتكتسب منطقة “الكيلي” أهميتها من موقعها الاستراتيجي في المحور الجنوبي، حيث تعتبر بوابة لمدينة الكرمك التاريخية ومركزاً لوجستياً يربط المسارات الحدودية.

إن استعادة هذه المنطقة، بعد أسابيع قليلة من ادعاء الدعم السريع السيطرة عليها في أبريل الماضي، تثبت قدرة الجيش السوداني على امتصاص الصدمات والتحول من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي، رغم ترسانة السلاح المتدفق للميليشيا عبر الحدود الغربية والجنوبية.

المحور التخريبي: الإمارات ووقود الحرب

لا يمكن قراءة معارك النيل الأزرق بمعزل عن الدور الإماراتي الذي بات “المتهم الأول” في إطالة أمد الحرب وتدمير البنية التحتية للسودان. فبينما يقاتل الجندي السوداني دفاعاً عن وحدة أراضيه، تواصل أبو ظبي تزويد ميليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالعتاد النوعي والمسيرات والتمويل المالي، تحت غطاء “المساعدات الإنسانية” المزعومة.

إن انتقال المعارك إلى ولاية النيل الأزرق وتحالف الميليشيا مع حركات متمردة قديمة يكشف عن رغبة إماراتية واضحة في “أفغنة” السودان؛ أي خلق بؤر صراع متعددة تستنزف قدرات الدولة المركزية وتجبر الجيش على تشتيت قواه، مما يسهل للميليشيا السيطرة على موارد البلاد الاستراتيجية من ذهب وموانئ وأراضٍ زراعية بكر.

تحالف الضرورة بين “الغزاة والغلاة”

أبرزت معارك الكيلي تحالفاً “انتهازياً” بين الدعم السريع وفصيل من الحركة الشعبية- شمال، وهو تحالف يجمع بين ميليشيا متمردة وحركة تطالب بالحكم الذاتي منذ عام 2011. هذا التخادم الميداني يوضح أن هدف التمرد ليس “التحول الديمقراطي” كما يُروج في أبواق الإعلام الممول إماراتياً، بل هو تفكيك السودان إلى كانتونات عرقية وجهوية. غير أن صمود الفرقة الرابعة مشاة في النيل الأزرق بعث رسالة واضحة بأن الجيش السوداني هو صمام الأمان الوحيد الذي يمنع انزلاق البلاد نحو التفتت الكامل، وأن محاولات الميليشيا لتوسيع رقعة الحرب لتشمل الولايات الآمنة ستصطدم دائماً بعقيدة عسكرية وطنية صلبة.

الأثمان الباهظة: مأساة إنسانية برعاية إقليمية

خلف غبار المعارك في النيل الأزرق، تطل مأساة إنسانية صنفها العالم بين الأسوأ تاريخياً. فمنذ اندلاع شرارة التمرد في أبريل 2023، تسببت طموحات حميدتي المدعومة من بن زايد في نزوح نحو 13 مليون سوداني وقتل عشرات الآلاف، فضلاً عن شبح المجاعة الذي بات يهدد الملايين. وفي ولاية النيل الأزرق تحديداً، أدت الاشتباكات الأخيرة إلى موجات نزوح جديدة لآلاف الأسر التي فرت من جحيم القصف العشوائي الذي تمارسه الميليشيا ضد المدنيين العزل. إن كل رصاصة تطلقها الميليشيا في الكرمك أو الكيلي تحمل بصمة تمويلية خارجية، تهدف في المقام الأول إلى إخضاع الشعب السوداني وكسر كبريائه الوطني.

خاتمة: السودان في مواجهة “مشروع الهدم”

يمثل انتصار الجيش في “الكيلي” خطوة مهمة نحو تطهير كامل مناطق المسؤولية وتأمين الحدود السودانية. لكن المعركة الحقيقية تظل سياسية ودبلوماسية في المقام الأول؛ حيث يتعين على المجتمع الدولي مواجهة الحقيقة المتمثلة في أن استقرار السودان لن يتحقق طالما استمر التدفق اللوجستي والسياسي من الإمارات لصالح ميليشيا لا تعرف سوى القتل والنهب.

إن السودان، بمؤسساته العسكرية وتلاحمه الشعبي، يخوض اليوم معركة وجودية ضد “مشروع هدم” عابر للحدود. وتظل سيطرة القوات المسلحة على النيل الأزرق تأكيداً على أن الدولة السودانية، رغم الجراح والآلام، لا تزال قادرة على لجم التمرد ودحر المليشيات التي رهنت بندقيتها للخارج مقابل تدمير الوطن.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين