كشف تقرير للقناة 12 العبرية عن تصاعد القلق داخل دولة الإمارات من الدور المركزي الذي بات يلعبه مسؤولون قطريون وأتراك في مسار إعادة إعمار غزة، في ظل تغيّر خريطة النفوذ الإقليمي داخل القطاع، وتنامي حضور الدوحة وأنقرة في الملفات الإنسانية والسياسية، مقابل تراجع نفوذ أبوظبي والرياض. ويشير التقرير إلى أن هذا القلق الآخذ بالتصاعد لم يعد مجرد انطباعات داخل الغرف المغلقة، بل تحوّل إلى رسائل غير مباشرة بدأت وسائل الإعلام العبرية نفسها في التقاطها ونقلها.

خشية إماراتية من معادلة جديدة في غزة

بحسب القناة العبرية، فإن الإمارات ترى أن وجود قطر وتركيا في قلب خطط إعادة إعمار غزة قد يؤدي –من منظورها– إلى تعزيز بقاء حركة حماس في المشهد، أو على الأقل استمرار نفوذها الشعبي والمؤسسي، وهو ما تعتبره أبوظبي تهديدا لمشروعها الإقليمي المناهض للإسلام السياسي. وتقول القناة إن أبوظبي تخشى “قدرة قطر على التحكم في بوابات التمويل والإعمار، وقدرة تركيا على التأثير في منظومة المجتمع والدعم اللوجستي للقطاع”، الأمر الذي من شأنه –وفق التقديرات الإسرائيلية– أن يعيد تشكيل ميزان القوى داخل غزة بطريقة لا تخدم الطموحات الإماراتية.

وتأتي هذه المخاوف في سياق تنافسي قديم بين الإمارات وكل من قطر وتركيا، حيث اصطدمت المشاريع الإقليمية لأبوظبي مراراً بنفوذ الدوحة وأنقرة في عدة ملفات، أبرزها ليبيا، وتونس، ومصر، والقرن الإفريقي. لكن غزة تبقى –في نظر الإمارات– ساحة حساسة، لما لها من تأثير مباشر على علاقاتها بواشنطن وتل أبيب، اللتين تعتبرهما أبوظبي ضامنين أساسيين لاستمرار دورها الإقليمي.

إعلام عبري: السعودية تشارك المخاوف ذاتها

ووفقاً لما نقلته صحيفة “يسرائيل هيوم”، فإن المخاوف الإماراتية ليست منفصلة عن موقف سعودي مشابه. الصحيفة ذكرت أن دول الخليج، وخاصة السعودية، تبدي “قلقاً بالغاً” من الاتفاقية الأمنية الشاملة التي وقّعتها الولايات المتحدة مع قطر، معتبرة أن هذه الاتفاقية تمنح الدوحة ثقلاً استراتيجياً مضاعفاً، قد ينعكس مباشرة على ملف غزة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي رفيع قوله إن “هذه الاتفاقية تعني أن قطر ستضمن بقاء حماس في غزة وعودتها إلى السلطة في أول فرصة”. هذه التصريحات تُظهر حجم الانزعاج الخليجي من تحوّل قطر إلى بوابة أساسية لأي ترتيبات أمنية وسياسية تخص غزة بعد الحرب.

وتضيف الصحيفة أن الإمارات والسعودية عبّرتا أكثر من مرة عن استيائهما من المساعي الأمريكية لتعزيز دور قطر القيادي في المنطقة. وباتت الرياض –كما أشارت الصحيفة– تطالب باتفاقية أمنية موازية “بشروط أفضل”، تجنبا لحدوث خلل هيكلي لصالح الدوحة على مستوى الأمن الإقليمي.

موقف إماراتي بعبارات دبلوماسية.. وقلق سياسي واضح

القناة 12 لفتت إلى أن التصريحات الإماراتية عادة ما تكون أكثر دبلوماسية من نظيرتها السعودية، لكنها تحمل الرسالة ذاتها: رفض بقاء غزة تحت نفوذ قطري–تركي، أو السماح لحماس بإعادة التموضع سياسياً بعد الحرب.

وقالت القناة إن أبوظبي تشارك بالفعل في مشاريع البنية التحتية داخل المناطق التي تفرض إسرائيل عليها قيودًا أمنية صارمة، لكنها في الوقت ذاته تراقب بقلق تمدد الدور التركي والقطري في المناطق الإنسانية التي يجري تجهيزها داخل القطاع.

وبحسب القناة، فقد ركزت المحادثات بين المبعوثين الأمريكيين ومستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد على “سبل إرساء الاستقرار” و“ضرورة إنهاء الحرب”، وهي عبارات دبلوماسية تعكس –بحسب الإعلام العبري– رغبة إماراتية في البقاء داخل المشهد الإنساني دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الأكثر تأثيرًا داخل غزة.

قرقاش يلمّح: لا دور إماراتي قبل خروج حماس من المشهد

وتوقف التقرير عند تصريحات أنور قرقاش، المستشار السياسي لمحمد بن زايد، والتي رأى فيها محللون إسرائيليون مؤشراً واضحاً على شرط إماراتي غير معلن لأي انخراط أعمق في إعادة الإعمار: خروج حماس من المشهد السياسي.

قال قرقاش:
“العودة إلى الوضع قبل 7 أكتوبر لن تكون صائبة ولن تُسهم في الحل.. الإمارات تدعم التحركات الأمريكية ولكن بشرطين: توضيح الوضع السياسي المستقبلي، والحاجة إلى أرضية أمنية مستقرة. لن نرسل أبناءنا إلى ساحة معركة دون فهم واضح للوضع”.

هذه التصريحات، وفق الإعلام العبري، تؤكد أن أبوظبي لن تقحم نفسها في ترتيبات ما بعد الحرب إلا في حال ضمانات واضحة تقطع الطريق على إعادة تموضع حماس أو القوى المتحالفة معها.

الإعلام العبري: قطر وتركيا ومصر يسيطرون على المشهد

الرسالة التي ختمت بها القناة 12 تقريرها كانت واضحة: الدور القطري والتركي –ومعه المصري بطبيعة الحال– سيبقى مهيمنًا على ترتيبات غزة في المدى القريب، بينما ستبقى الإمارات والسعودية خارج التأثير السياسي المباشر، رغم الأموال والمساعدات التي تضخها أبوظبي.

وبحسب التقرير، فإن هذا “بالضبط ما كانت تخشاه الإمارات”، التي تسعى منذ سنوات إلى تحجيم نفوذ الإسلام السياسي وحلفائه الإقليميين. لكن تورطها في ملفات اليمن وليبيا والسودان، وارتباطها بتحالفات متشابكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، جعل نفوذها داخل غزة أقل وزناً من نفوذ الدوحة وأنقرة، اللتين حافظتا على خطوط اتصال مستقرة مع جميع الأطراف الفلسطينية.

خلاصة تحليلية

يكشف التقرير العبري عن معادلة جديدة تتشكل في غزة: قطر وتركيا في مركز الصورة، الإمارات والسعودية على الهامش. وفي الوقت الذي تحاول فيه أبوظبي استخدام خطاب دبلوماسي لتغطية انزعاجها، فإن تحريضها المتكرر ضد الدور القطري–التركي يعكس خشيتها من عودة غزة إلى محور إقليمي يتعارض مع مشروعها في المنطقة.

هذا التحول، إذا ثبت واستمر، سيترك آثاراً استراتيجية عميقة على موازين القوى في الشرق الأوسط، خصوصاً في الملفات التي تتقاطع فيها الإنسانية بالسياسة، والسياسة بالأمن، والأمن بالنفوذ الإقليمي.

اقرأ أيضًا : الإمارات تتسبب في نزوح جماعي من الفاشر,, كيف تدعم تحركات عسكرية داخل المدينة