كشف تحقيق أميركي عن تحدٍ استراتيجي متصاعد يواجه البحرية الأميركية في الشرق الأوسط، لا يتعلق فقط بمخزون الصواريخ أو بخطر الهجمات الإيرانية، وإنما بقدرة واشنطن على إبقاء نحو 20 سفينة حربية و20 ألف بحار ومشاة بحرية في المنطقة لفترة مفتوحة، بعدما فقدت شبكة الإمداد القريبة التي اعتمد عليها الأسطول الأميركي لعقود في الخليج.
وبحسب التحقيق، مثّل استهداف القاعدة اللوجستية التابعة للبحرية الأميركية في البحرين في اليوم الأول للحرب، 28 فبراير/شباط، ضربة مباشرة لمنظومة الإمداد الأميركية. فالمنشأة لم تكن مجرد قاعدة عسكرية، وإنما عقدة رئيسية لتخزين ونقل الوقود والغذاء وقطع الغيار وغيرها من الاحتياجات الضرورية لاستمرار السفن في عملياتها.
وتفاقمت المشكلة مع تحول الموانئ الإقليمية الأخرى القادرة على استقبال حاملات الطائرات وسفن الإمداد إلى مواقع عالية الخطورة، لوقوعها داخل مدى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما حرم البحرية الأميركية عملياً من إمكانية الاعتماد على شبكة الموانئ القريبة التي بنت حولها عملياتها في المنطقة.
وأجبر هذا الوضع سفن الإمداد الأميركية على التوجه إلى قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، على مسافة تقارب 2200 ميل في اتجاه واحد، للحصول على الوقود والمؤن وقطع الغيار قبل العودة إلى السفن المنتشرة في بحر العرب وخليج عُمان.
أما الخيار الأبعد فهو سنغافورة، التي تبعد نحو 3700 ميل وتتطلب الرحلة إليها المرور عبر مضيق ملقا، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. وبذلك انتقل العمق اللوجستي للقوة الأميركية من الخليج إلى وسط المحيط الهندي وجنوب شرقي آسيا، مع ما يعنيه ذلك من زيادة زمن الرحلات والضغط على سفن الإمداد.
وتكشف الأرقام حجم المهمة؛ إذ تحتاج القوة البحرية الأميركية الموجودة في المنطقة أسبوعياً إلى أكثر من 420 ألف وجبة ونحو 8 ملايين غالون من الوقود. ورغم أن حاملات الطائرات الأميركية تعمل بالطاقة النووية، فإن طائرات ومروحيات كل حاملة تستهلك وحدها قرابة مليوني غالون من وقود الطيران أسبوعياً.
ونتيجة غياب الموانئ القريبة، لم تعد عمليات التموين في البحر إجراءً عرضياً، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من دورة العمليات، إذ تضطر السفن إلى التزود بالإمدادات كل خمسة أو ستة أيام تقريباً.
وتعد عملية التموين البحري من أكثر العمليات اللوجستية تعقيداً، حيث تتحرك السفينة الحربية وسفينة الإمداد جنباً إلى جنب لساعات، على مسافة لا تتجاوز نحو 150 قدماً، مع المحافظة على سرعة ومسار متطابقين رغم الأمواج والتيارات والرياح.
ويبدأ البحارة بإطلاق حبل بين السفينتين، قبل مد كابلات فولاذية وخراطيم لنقل الوقود، فيما تنتقل منصات محملة بالطعام والذخائر وقطع الغيار بينهما، بالتزامن مع استخدام المروحيات لنقل شحنات أخرى والبريد.
لكن ما يضمن استمرار الأسطول في القتال يخلق في الوقت نفسه نقطة ضعف جديدة؛ إذ تصبح سفينتان كبيرتان مقيدتين بمسار وسرعة شبه ثابتين لعدة ساعات، ما يجعل عملية التموين نفسها أكثر قابلية للمراقبة والاستهداف في بيئة تنتشر فيها المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى.
انتشار مفتوح وضغط على حاملات الطائرات
وتحتفظ البحرية الأميركية حالياً بنحو 20 سفينة في الشرق الأوسط ضمن انتشار مفتوح المدة مرتبط بالحرب والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وتضم القوة الرئيسية حاملتي الطائرات «يو إس إس جورج بوش» و«يو إس إس جورج واشنطن»، إلى جانب 12 مدمرة ومجموعة برمائية مكونة من ثلاث سفن تحمل قوة من مشاة البحرية.
ولا يقتصر الضغط على خطوط الإمداد، بل يمتد إلى قدرة الولايات المتحدة على المحافظة على هذا المستوى من الانتشار لفترة طويلة. فالأسطول الأميركي يمتلك 11 حاملة طائرات فقط، وجرى استخدام أربع منها في الحرب، ما يفرض ضغوطاً على دورات الصيانة والتدريب والانتشار في مناطق أخرى من العالم.
وتبرز حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» مثالاً على حجم الضغط، بعدما أمضت معظم فترة انتشار استمرت نحو تسعة أشهر من دون زيارات منتظمة للموانئ، رغم أن حاملات الطائرات تحصل في الظروف الطبيعية على توقف في ميناء كل شهر تقريباً لمنح أطقمها فرصة للراحة.
ولم تبدأ «لينكولن» رحلة العودة إلى قاعدتها في سان دييغو إلا بعدما حلت «جورج واشنطن» محلها في 20 أغسطس/آب، وكان مقرراً أن تتوقف في تايلاند عدة أيام، في واحدة من أولى فترات الراحة الفعلية لطاقمها بعد الانتشار الطويل.
وتكشف هذه الحالة عن مشكلة أوسع، إذ لم تعد عودة السفن مرتبطة بالضرورة بجداول الانتشار التقليدية، وإنما بقرار الرئيس الأميركي ووزير الدفاع بشأن توقيت سحبها أو استبدالها، ما يجعل دورات الصيانة وراحة الأطقم مرتبطة بصورة مباشرة بمسار الحرب وقرارات القيادة السياسية.
ضربة لوجستية تتجاوز خسائر القاعدة
ويشير التحقيق إلى أن الأثر الاستراتيجي لضرب قاعدة البحرين لا يقاس فقط بحجم المنشآت التي دُمرت. فالضربة لم تُخرج حاملات الطائرات والمدمرات الأميركية من المعركة، لكنها أجبرت واشنطن على إطالة خطوط إمدادها آلاف الأميال والاعتماد بدرجة أكبر على عدد محدود من سفن التموين والعمليات البحرية المعقدة.
وبهذا المعنى، فإن التحدي الذي تواجهه البحرية الأميركية ليس نفاد الوقود أو الغذاء بصورة فورية، وإنما مدى قدرتها على الحفاظ على تدفقهما باستمرار إلى قوة ضخمة منتشرة على بعد آلاف الأميال من أقرب المراكز اللوجستية الآمنة.
وتصبح المعضلة أكثر أهمية كلما طال أمد الحرب، لأن استمرار الانتشار بالمستوى الحالي لا يستهلك الذخائر فحسب، وإنما يضغط على السفن والأطقم وسفن الدعم وجداول الصيانة، ويحد من المرونة المتاحة للبحرية الأميركية لنشر حاملاتها في مسارح أخرى.
ويعني ذلك أن استدامة القوة أصبحت جزءاً من معادلة الحرب نفسها؛ فواشنطن تمتلك القدرة العسكرية على إبقاء أسطول كبير في المنطقة، لكن كلفة الحفاظ على جاهزيته ترتفع مع كل أسبوع إضافي، خصوصاً بعدما انتقلت خطوط الإمداد من قواعد قريبة في الخليج إلى نقاط تبعد آلاف الأميال.
وبذلك تكشف الأزمة اللوجستية وجهاً مختلفاً للمواجهة الأميركية الإيرانية: فإيران لم تكن بحاجة إلى إغراق حاملات الطائرات الأميركية حتى تفرض عليها كلفة استراتيجية كبيرة؛ إذ كان استهداف عقدة الإمداد الرئيسية في البحرين كافياً لإجبار الأسطول على تغيير منظومته اللوجستية وإطالة خطوط تموينه، لتصبح قدرة الولايات المتحدة على إدامة وجودها البحري بالحجم الحالي ولفترة طويلة أحد القيود الأساسية على استمرار الحرب بالمستوى نفسه.