كشف تحقيق استقصائي موسع أجرته وكالة «رويترز» عن شبكة جوية غامضة تديرها شركات يسيطر عليها جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية، وشغّلت طائرات شحن قديمة من طراز «بوينغ» على مسارات تربط دولاً ومراكز لوجستية إقليمية بمناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً في السودان.

وتوصل التحقيق، المنشور الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026، إلى أن شركات مرتبطة بالمقاول العسكري الأمريكي السابق ستيفن شاوليس شغّلت ما لا يقل عن ثلاث طائرات «بوينغ» حلّقت إلى مراكز إمداد رئيسية تستخدمها الميليشيا في تشاد وليبيا والصومال ودارفور، خلال مراحل حاسمة من الحرب وحصار مدينة الفاشر.

ولم تجد «رويترز» دليلاً يثبت أن شاوليس أو شركاته خالفوا العقوبات الدولية أو شاركوا بصورة مباشرة في جرائم حرب، كما لم تتمكن من تحديد الجهة التي كانت تموّل الرحلات أو طبيعة جميع الشحنات المنقولة. إلا أن بيانات الطيران وصور الأقمار الاصطناعية وسجلات الشركات والعقود التي راجعتها الوكالة كشفت ارتباطاً واضحاً بين الطائرات ومراكز لوجستية استُخدمت لإمداد ميليشيا الدعم السريع.

جندي أمريكي سابق وعقود حكومية بمئات الملايين

ويقف خلف الشبكة ستيفن شاوليس، البالغ من العمر 63 عاماً، وهو جندي سابق في القوات الخاصة بالجيش الأمريكي ومقاول عمل لسنوات طويلة مع الحكومة الأمريكية ووكالات تابعة للأمم المتحدة.

ويدير شاوليس شركة «CADG»، المعروفة سابقاً باسم «مجموعة تنمية آسيا الوسطى»، والمسجلة في سنغافورة، إلى جانب شركات أخرى في مجالات الطيران والخدمات اللوجستية والدعم العسكري.

وبحسب السجلات التي حللتها «رويترز»، حصلت الشركات التي يسيطر عليها شاوليس منذ عام 2002 على عقود أمريكية وأممية لا تقل قيمتها عن 419 مليون دولار، شملت بناء منشآت للقوات الأمريكية في أفغانستان، وتوفير خدمات عسكرية ولوجستية في العراق وكينيا ودول أفريقية أخرى.

كما تمتلك «CADG» مستودعاً ضخماً في دبي، وقواعد تشغيل جوي في جنوب أفريقيا والسودان، وتقول عبر موقعها إنها نفذت مشروعات بقيمة 800 مليون دولار في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

طائرة نيالا تكشف خيوط الشبكة

بدأت خيوط التحقيق بطائرة «بوينغ 737» دمرها الجيش السوداني في مطار نيالا، معقل ميليشيا الدعم السريع في دارفور، في 3 مايو/أيار 2025، بعد اتهامها بنقل مقاتلين وإمدادات إلى الميليشيا.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع بصورة مباشرة أن الغارة أسفرت عن مقتل 54 شخصاً كانوا على متن الطائرة، بينهم 51 عنصراً من ميليشيا الدعم السريع، إلى جانب طيار ومهندس أرضي يعملان لدى شركة «Occidental Support Services».

وكشفت السجلات التي راجعتها الوكالة أن الشركة مملوكة بالكامل لشاوليس ومسجلة في دولة الإمارات، ما يضيف حلقة جديدة إلى شبكة الشركات والطائرات العاملة على المسارات التي استفادت منها الميليشيا المدعومة من أبوظبي.

وتتبعت الوكالة الطائرة من خلال طلائها المميز وصور الأقمار الاصطناعية، وعثرت عليها قبل ساعات من تدميرها داخل القسم العسكري لمطار نجامينا الدولي في تشاد، قبل أن تظهر لاحقاً في مطار نيالا.

ضربة أشعلت التصعيد وقطعت العلاقات مع أبوظبي

مثّل تدمير الطائرة نقطة تحول في مسار الحرب؛ ففي اليوم التالي شنت ميليشيا الدعم السريع موجة من الهجمات بالطائرات المسيّرة على مدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة السودانية عاصمة إدارية مؤقتة.

وعقب الهجمات، أعلنت الحكومة السودانية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات، متهمة أبوظبي بدعم الميليشيا وتزويدها بالسلاح والعتاد اللازم لتنفيذ الضربات.

وتنفي الإمارات بصورة متكررة تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتقول إن وجودها في المنطقة يقتصر على الأنشطة الإنسانية. إلا أن خبراء أمميين ومنظمات حقوقية وأعضاء في الكونغرس الأمريكي سبق أن اتهموا أبوظبي بتوفير الأسلحة والمرتزقة وشبكات الإمداد للميليشيا.

طائرات أمريكية قديمة تنتقل إلى تشاد وليبيا

وبعد أسابيع قليلة من تدمير طائرة نيالا، اشترت شركة أخرى مرتبطة بشاوليس طائرة «بوينغ 727» صُنعت عام 1980، من شركة أمريكية متعاقدة مع الحكومة، ونُقلت من ولاية ميشيغان إلى أفريقيا.

وكانت هذه الطائرة واحدة من ثلاث طائرات «بوينغ 727» قديمة اشترتها شركات وأشخاص مرتبطون بشاوليس قبل نقلها من الولايات المتحدة والبرازيل إلى تشاد وليبيا.

وتمكنت «رويترز» من تتبع إحدى الطائرات خلال رحلاتها إلى مراكز لوجستية معروفة استخدمتها ميليشيا الدعم السريع، لكنها لم تجد دليلاً يؤكد أن الطائرتين الأخريين سلكتا المسارات نفسها.

كما أظهرت بيانات تتبع الرحلات وإشارات الهواتف المحمولة وصور الأقمار الاصطناعية تحركات بين مطارات في تشاد وليبيا والصومال ومناطق خاضعة لسيطرة الميليشيا في دارفور، من دون أن تتمكن الوكالة من إثبات طبيعة الحمولة في كل رحلة.

تشغيل بلا تراخيص وأسئلة حول الرقابة الدولية

وأظهر التحقيق أن بعض الطائرات واصلت العمل رغم عدم حصولها على التصاريح اللازمة من سلطات الطيران المختصة، كما أن انتقال ملكيتها وتشغيلها جرى عبر شبكة معقدة من الشركات المسجلة في عدة دول.

وتثير هذه الوقائع أسئلة عن مدى قدرة أنظمة الرقابة والعقوبات الدولية على تتبع الطائرات القديمة وشركات الخدمات اللوجستية التي تعمل في مناطق النزاعات، خصوصاً عندما تنتقل الأصول عبر كيانات تجارية متعددة وتُسجل في دول مختلفة.

وأكد متحدث باسم الأمم المتحدة أن المنظمة تعاملت سابقاً مع شركة «CADG» في بعض المشروعات، لكنه قال إنها لم تكن على علم بالطائرات أو العمليات الواردة في التحقيق، وإن الشركة لم تنفذ أعمالاً أممية في السودان.

أما شاوليس فامتنع عن الإجابة عن الأسئلة التفصيلية التي وجهتها إليه «رويترز» بشأن شركاته وطائرات «بوينغ»، كما لم ترد ميليشيا الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية على طلبات التعليق.

حصار الفاشر ومسارات دعم الميليشيا

وتكتسب شبكة الطيران أهمية خاصة بسبب تزامن نشاطها مع حصار الفاشر، عاصمة شمال دارفور، التي تعرضت لهجمات وحصار طويل من ميليشيا الدعم السريع قبل سقوطها، وسط اتهامات بارتكاب عمليات قتل جماعي وتطهير عرقي بحق السكان.

وتقول «رويترز» إن الطائرات التي تتبعتها كانت تصل إلى نقاط إمداد إقليمية استخدمتها الميليشيا خلال مرحلة حاسمة من الحصار، ما يثير احتمال مساهمتها في تعزيز القدرات اللوجستية للقوات المهاجمة، رغم عدم توصل التحقيق إلى أدلة مباشرة بشأن محتوى معظم الرحلات.

وكانت بعثة أممية لتقصي الحقائق قد خلصت إلى أن عمليات القتل الجماعي والاغتصاب المنظم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، بينما تنفي الميليشيا استهداف المدنيين بصورة ممنهجة.

شركات أمريكية وغطاء إماراتي وشبكة إمداد عابرة للحدود

يكشف التحقيق كيف تحولت الحرب السودانية إلى ساحة مفتوحة لشركات المقاولات العسكرية وشبكات الطيران الخاصة والوسطاء الإقليميين، مستفيدين من ضعف الرقابة الدولية واتساع الحدود بين السودان وتشاد وليبيا ودول القرن الأفريقي.

ورغم عدم اتهام «رويترز» شاوليس أو شركاته بارتكاب مخالفة قانونية، فإن تشغيل طائرات تابعة لشركاته على مسارات مرتبطة بمراكز إمداد الميليشيا، وامتلاك إحدى هذه الشركات تسجيلاً في الإمارات، ووجود منشآت لوجستية للشركة في دبي، يفتح الباب أمام تحقيقات أوسع بشأن الجهة التي موّلت الرحلات وحددت وجهاتها واستفادت من عملياتها.

ويضيف الكشف حلقة جديدة إلى سلسلة الأدلة والاتهامات التي تلاحق الدور الإماراتي في السودان، حيث لم تعد شبكة دعم الميليشيا تقتصر على شحنات السلاح المباشرة، بل باتت تشمل شركات أمن وطيران ومرتزقة وممرات جوية وبرية تمتد عبر عدة دول.

وبينما تواصل أبوظبي إنكار أي صلة عسكرية بالحرب، تكشف مسارات الطائرات الغامضة أن ميليشيا الدعم السريع لم تكن تخوض حربها بمعزل عن شبكة دولية متشابكة وفرت لها الحركة والإمداد والعمق الخارجي، وأسهمت في إطالة أمد الحرب وتوسيع المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني.