كشف تحقيق مفصل ونوعي أعدته وكالة «بلومبرغ» الأمريكية عن تحول الحرب والمواجهة المباشرة مع إيران والحصار البحري الممتد في الخليج من مجرد عبء ومصاعب مالية يمكن لواشنطن استيعابها، إلى “استنزاف هيكلي” شامل يضغط على الجاهزية العسكرية والقتالية العالمية للولايات المتحدة، ويحد من خيارات الدفاع الإستراتيجية الصارمة التي تبنيها في مناطق حيوية أخرى كشرق آسيا، برغم النجاح الفني في تجفيف شحنات صادرات النفط الإيراني من جزيرة خَرْج.

طبقات الاستنزاف الست وتكلفة بحرية باهظة

أوضح التحقيق أن عملية الاستنزاف التي تتجرعها القوات البحرية والجيش الأمريكي تجري عبر ست طبقات متزامنة ومتداخلة تشمل: المال، والذخيرة، والسفن، والصيانة، والقواعد، والأفراد ذوي الخبرة العالية. ويُحتجز في مسرح العمليات حالياً نحو 22 سفينة حربية تمثل أكثر من 30% من إجمالي الأسطول البحري الأمريكي، بتكلفة تشغيلية تصل إلى 32.5 مليون دولار يومياً (بعد أن سجلت ذروتها في أغسطس عند 42 مليون دولار).

وبحسب الأرقام، شاركت 28 سفينة بالتناوب في الحصار الممتد منذ يوليو الماضي، متجاوزة تكاليف تشغيل القطع البحرية وحدها ملياري دولار في هذه المرحلة، وأكثر من 7.1 مليارات دولار منذ بدء الحشد العسكري في يناير الماضي. وتؤكد الوكالة أن الخطورة لا تكمن في المال فقط، بل في حقيقة أن السفن المرابطة بالخليج يُسحب وجودها وتأثيرها المباشر من مناطق كبرى مثل غرب المحيط الهادئ.

مخاوف ردع الصين والضغط البشري على القوات

تشكل الصين وتأمين تايوان التحدي الإستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة؛ إذ أمضت واشنطن عقوداً في نقل قدراتها لنشر الردع في آسيا، لكن الحصار الجاري اضطر القيادة لسحب سفن حيوية تابعة للأسطول السابع المتمركز في اليابان وغوام وإعادة توجيهها للخليج.

ورصد التحقيق مظاهر الضغط الميداني والبشري على الأطقم؛ حيث تتجه “الفرقة 82 المحمولة جواً” – أبرز قوات الاستجابة السريعة – لإكمال عام كامل من الانتشار بالمنطقة دون خوض قتال مباشر احترازاً للطوارئ، ما يقلص الخيارات الأمريكية إزاء أي أزمات عالمية طارئة. كما ضرب التقرير مثلاً بحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» التي دخلت تايلاند بعد تسعة أشهر متواصلة في البحر دون دخول أي ميناء، وسط أزمات صيانة وانقطاع للإنترنت دام 40 يوماً وتراجع حاد في معنويات البحارة، مما يعكس الثمن الإنساني والفني الباهظ لهذا الانتشار الممتد.

تداعي البيئة الميدانية وأزمة الصيانة والمالية

أصبح هذا العبء العملياتي أكثر تعقيداً بعد تعرض قواعد أمريكية رئيسية بالشرق الأوسط لأضرار جراء الضربات الإيرانية، مما أجبر البحرية على العمل عبر خطوط إمداد أطول وأكثر تعقيداً. وترافق ذلك مع تدهور البيئة البحرية بتقدم الحوثيين على الساحل اليمني وازدياد التهديدات بالبحر الأحمر وتوقف أجزاء من خط “شرق-غرب” السعودي، ما ضاعف مهمة واشنطن لتشمل تأمين الناقلات وهرمز وباب المندب معاً.

وعلى الصعيد المالي والفني، كشف قائد العمليات البحرية كودل عن عجز مالي قد يبلغ 8 مليارات دولار هذا العام بسبب إعادة توجيه ميزانيات البحث والتطوير لصالح الصيانة والتشغيل. ومع محدودية أحواض الإصلاح الثقيلة، قد يمتد التأخير في صيانة حاملة طائرات واحدة إلى جداول الحاملات الأخرى (التي تقضي ربع عمرها التشغيلي بالصيانة)، وسط تقييمات تؤكد أن البحرية ستبدأ بمواجهة مشكلات حقيقية في الجاهزية خلال العامين المقبلين.

فاعلية الحصار الميدانية وغياب الحسم السياسي

أثبتت التغطيات وصور الأقمار الصناعية لجزيرة خَرْج فاعلية الحصار في تعطيل صادرات النفط الإيرانية؛ إذ ظهر عدد ضئيل جداً من الناقلات منذ بدء الانتشار البحري المكثف.

لكن التحقيق يخلص – نقلاً عن الخبيرة الإستراتيجية إيما سالزبري – إلى أن النجاح الفني في وقف الصادرات لم يترجم حتى الآن إلى نجاح أو حسم سياسي؛ إذ تملك طهران قدرة طويلة على امتصاص الحصار والتعايش مع الضغوط الاقتصادية الممتدة بحكم سنوات العقوبات، دون أن تقدم أي مؤشرات للخضوع للشروط والشروط الأمريكية، ما يعري جدوى الدفع بخيار الاستنزاف طويل الأمد.