أصدرت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية ملفاً تحليلياً شاملاً أعلنت فيه عن تحول جيوسياسي غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط، يجسد نهاية حقبة الولايات المتحدة باعتبارها القوة المهيمنة و”مهندسة النظام الإقليمي”، مشيرة إلى أن هذا التحول لا يعني الانسحاب العسكري الكامل بقدر ما يعبر عن تراجع جذري في مفهوم التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها التقليديين.
اليوم الذي تخلت فيه واشنطن عن حماية الرياض
واستندت المجلة لتأكيد هذه النظرية بالتعاطي الأمريكي الأخير مع الملف اليمني والخليجي؛ حيث رفضت واشنطن هذا الشهر الانضمام للمملكة العربية السعودية في شن ضربات ضد حركة أنصار الله (الحوثيين)، بالتزامن مع إدارتها لمحادثات سرية منفصلة مع الجماعة لحماية ناقلاتها وسفنها فقط دون النظر لمصالح الرياض. وأكدت «الإيكونوميست» أن هذه الواقعة تكشف التبدل الجوهري في العقيدة الأمريكية؛ إذ باتت واشنطن تتفاوض كـ “قوة كبرى تبحث عن تضييق التزاماتها” وحماية مصالحها الذاتية المباشرة، تاركة شركاءها التاريخيين أمام استحقاقات أمنية مكشوفة.
أزمة القواعد الميدانية والتحول الاقتصادي
وأرجعت الصحيفة هذا التراجع إلى عوامل عسكرية واقتصادية هيكلية، أبرزها:
- انكشاف القواعد العسكرية:
أظهرت المواجهات الأخيرة مع إيران أن القواعد الأمريكية الثماني الدائمة بالمنطقة (التي تضم بين 30 إلى 40 ألف جندي) باتت أهدافاً سهلة للصواريخ والمسيّرات منخفضة التكلفة؛ مما دفع البنتاغون للتركيز على حاملات الطائرات وقاعدة “دييغو غارسيا”، والدعوة لتقليص الانتشارات وإعادة التمركز في مواقع أقل كإسرائيل والأردن.
- التحول إلى استقلال الطاقة:
لم تعد واشنطن تعتمد على نفط الخليج كما كان الحال قبل عام 2020؛ إذ تحولت إلى مُصَدّر رئيسي للطاقة، بينما أصبحت الصين المستورد الأكبر لنفط المنطقة والمستفيد الأول من الاستقرار الملاحي لقناة السويس وهرمز دون أن تتحمل كلفة الهيمنة الباهظة.
- إعادة التموضع العالمي لمواجهة الصين:
يرى المخططون في إدارة ترامب أن الحروب الممتدة بالشرق الأوسط تستنزف مخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر الاستراتيجية، في وقت تحتاج فيه واشنطن لتحرير قواتها لمواجهة المنافسة المتصاعدة مع الصين بـ آسيا.
نهاية حقبة وامتحان التوازنات الذاتية
ورسمت «الإيكونوميست» أبعاداً تاريخية لهذا التحول، مبيّنة أنه يماثل خروج الإمبراطوريات السابقة (بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي) التي حاولت فرض ترتيبات قسرية على الإقليم ووصلت إلى حدود طاقتها السياسية والعسكرية. وأوضحت أن واشنطن ستظل تتدخل عسكرياً لحماية المصالح الضيقة أو مكافحة الإرهاب، لكنها لن تلعب بعد اليوم دور الشافيع والمدافع عن الإقليم.
ويخلص التحليل إلى ترك سؤال استراتيجي مفتوح حول طبيعة المرحلة القادمة؛ وما إذا كان الانكفاء الأمريكي سيفسح المجال لموجة صراعات وتصفية حسابات بين القوى الإقليمية، أم سيدفع دول المنطقة لبناء أطر وتوازنات أمنية ذاتية ومستقلة بعيداً عن الرهان الحصري على المظلة الغربية المفككة.