تشهد المنطقة لحظة سياسية كاشفة تعيد رسم خريطة التهديدات والتحالفات على نحو غير مسبوق، حيث بات واضحًا أن عددًا متزايدًا من الدول العربية، بما فيها حكومات لطالما اتخذت مواقف عدائية من إيران، لم يعد يرى في أي هجوم أميركي-إسرائيلي عليها خيارًا مقبولًا أو حتى مفيدًا. هذا التحول لا يعكس تعاطفًا مع طهران بقدر ما يعكس إدراكًا متأخرًا لحقيقة باتت صارخة: المشروع الإسرائيلي التوسعي، المدعوم أميركيًا، أصبح الخطر المركزي على استقرار المنطقة، وعلى سيادة الدول العربية نفسها، بعد سنوات طويلة من تصوير إيران باعتبارها العدو الأول.

قبل أعوام قليلة فقط، كانت فكرة تغيير النظام في إيران عبر ضربة أميركية تحظى بقبول أو غض طرف لدى عدد من العواصم العربية، خاصة في الخليج، نتيجة تراكمات تاريخية من الشك والصراع السياسي والأمني. ذلك التصور انهار تدريجيًا مع مراقبة السلوك الإسرائيلي المتفلت خلال الأشهر السبعة والعشرين الماضية، حيث اندفعت إسرائيل في مسار عدواني مفتوح، يستند إلى تصور توراتي توسعي يعرف بمشروع «إسرائيل الكبرى»، الممتد من الفرات إلى النيل، دون اكتراث بأي حدود قانونية أو سياسية. هذا المسار لم يبقَ حبيس الخطاب، بل تُرجم عمليًا عبر توسيع الاحتلال غير الشرعي للأراضي العربية، وارتكاب إبادة جماعية في غزة مع إعلان نوايا واضحة للسيطرة الكاملة عليها، إلى جانب تعميق السيطرة في الضفة الغربية، وتكثيف الاعتداءات على سوريا ولبنان.

اللحظة الفاصلة التي دفعت كثيرًا من القادة العرب إلى إعادة تقييم الموقف جاءت مع انتقال العدوان الإسرائيلي إلى مستوى غير مسبوق، عبر شن هجوم مباشر على قطر في سبتمبر 2025، رغم كونها حليفًا للولايات المتحدة، وبعد أشهر فقط من إقناع إسرائيل لواشنطن بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران في يونيو من العام نفسه، استهدفت برنامجها النووي بهدف تكريس احتكار إسرائيل للسلاح النووي في المنطقة. هذا التسلسل كشف بصورة لا لبس فيها أن الطموح الإسرائيلي لا يتوقف عند إضعاف خصومه، بل يسعى إلى فرض هيمنة إقليمية مطلقة، وأن أي ضربة أميركية لإيران تمثل امتدادًا مباشرًا للعدوان الإسرائيلي، وتعزيزًا لقدرة إسرائيل على فرض وقائع استراتيجية جديدة.

ضمن هذا السياق البنيوي، برزت معارضة عربية متزايدة لأي هجوم جديد على إيران، لا انطلاقًا من الدفاع عنها، بل من الخشية من تداعيات مشروع الهيمنة الإسرائيلي-الأميركي على مجمل الإقليم. التقارير التي تحدثت عن تورط إسرائيلي مباشر في تأجيج الاحتجاجات داخل إيران، عبر دعم لوجستي وأمني، وتصريحات مسؤولين أميركيين وإسرائيليين عن دور عناصر إسرائيلية على الأرض، أعادت إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من عمليات تغيير الأنظمة والتفكيك الممنهج التي قادتها واشنطن أو دعمتها في المنطقة، غالبًا تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانتهت بفوضى وانهيار دول كاملة.

التحولات الإقليمية الأخيرة عمّقت هذا الإدراك، إذ تعرّضت إيران خلال الأعوام الماضية لإضعاف حاد نتيجة العقوبات الخانقة، والضربات العسكرية المباشرة، وتآكل شبكة حلفائها الإقليميين مع سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، وتراجع قدرات حزب الله تحت القصف الإسرائيلي المتواصل. هذا الواقع دفع كثيرًا من الحكومات العربية إلى اعتبار أن إيران المنهكة لم تعد تشكل تهديدًا يستدعي مغامرة عسكرية جديدة، وأن انهيار الدولة الإيرانية بالكامل سيولّد فوضى إقليمية تفوق بأضعاف أي مكاسب محتملة.

الاعتبارات الاقتصادية والأمنية لعبت دورًا حاسمًا في هذا التحول، حيث تعتمد دول الخليج على الاستقرار لضمان أمن الطاقة واستمرار مشاريعها الاقتصادية، وتدرك أن أي تصعيد مع إيران قد يهدد مضيق هرمز، شريان النفط والغاز العالمي. المخاوف لا تقتصر على الخليج، إذ تخشى القاهرة من أن يؤدي تفكك إيران إلى اضطرابات أوسع في البحر الأحمر وقناة السويس، بما يضرب ركائز الاقتصاد المصري. هذه الحسابات الواقعية ترافقت مع مسار تقارب دبلوماسي عربي-إيراني خلال السنوات الأخيرة، شمل استئناف العلاقات السعودية-الإيرانية عام 2023، وتعميق التواصل بعد العدوان الإسرائيلي على قطر، إضافة إلى تحسن ملحوظ في العلاقات بين طهران والقاهرة.

هذا كله قاد إلى تحول هيكلي في طريقة تقييم التهديدات داخل النظام العربي الرسمي. الصورة القديمة التي وضعت إيران في موقع العدو الأول، أو غذّت صراعات عربية-عربية بوصفها الخطر الأكبر، بدأت تتلاشى، لتحل محلها قناعة متنامية بأن إسرائيل، بسلوكها العدواني العابر للحدود، ورفضها لأي ضوابط قانونية، وسعيها العلني للهيمنة الإقليمية، أصبحت العامل الأكثر زعزعة للاستقرار. هذا الإدراك ترافق مع خوف متزايد لدى بعض العواصم العربية من أن تكون مدرجة ضمن مسار التوسع الإسرائيلي ذاته، أو أن تتحول إلى هدف تالٍ بمجرد استكمال حلقات الإضعاف الحالية.

الخطاب الأميركي الأخير حول خفض التصعيد يعكس، في جوهره، استراتيجية أوسع قائمة على خنق الاقتصاد الإيراني، ودعم حركات الاحتجاج، والسعي إلى إضعاف النظام من الداخل دون تحمل كلفة حرب مباشرة، وهو مسار يلقى قبولًا حذرًا لدى بعض الحكومات العربية طالما تجنب الانفجار الشامل. المفارقة أن هذا العدوان الإسرائيلي-الأميركي المتكرر يحمل في طياته إمكانية توحيد منطقة طالما مزقتها الخلافات، لا على أساس توافق سياسي أو أيديولوجي، بل على أساس إدراك مشترك لتهديد واحد يتمثل في مشروع استعماري توسعي يسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالحه، ولو على أنقاض الدول والشعوب.

هذا التحول يطرح سؤالًا مفتوحًا حول العالم المقبل على إعادة تشكيل واسعة لخريطة التحالفات الدولية، حيث لم تعد الاصطفافات التقليدية قادرة على الصمود أمام واقع تتقدم فيه إسرائيل والمشروع الأميركي بوصفهما مصدر الخطر الرئيسي، وتجد فيه دول عربية نفسها مضطرة، ولو اضطرارًا، إلى مراجعة حساباتها القديمة، دفاعًا عن بقائها واستقرارها في مواجهة مشروع احتلال وهيمنة لا يخفي نواياه ولا يتوقف عند حدود.