كتب الصحفي والمحلل السياسي المخضرم ديفيد هيرست مقالًا بعنوان “خطة ترامب من نهاية العالم انتهت بالفشل… إيران أثبتت ذلك والصين تدركه”، قدّم فيه قراءة قاسية لمسار الحرب على إيران، كاشفًا حجم الارتباك والتناقض في قرارات دونالد ترامب، والدور الذي لعبه بنيامين نتنياهو في دفع واشنطن إلى حرب لم تحقق أهدافها، بل انتهت بتراجع واضح واعتراف ضمني بشروط الطرف الإيراني.
يفتتح هيرست مقاله بوصف ما حدث بأنه نموذج فاضح لما يمكن أن تفعله القرارات المتخبطة، حيث انتقل ترامب من التهديد بإبادة إيران بالكامل إلى القبول بشروطها الأساسية خلال أيام، في مشهد لا يعكس قوة تفاوضية كما حاول تصويره، بل يكشف انهيار الرهان العسكري والسياسي الذي دخلته الولايات المتحدة وإسرائيل. فإيران، بدل أن تُجبر على التراجع، دخلت مرحلة تفاوض جديدة وهي تحتفظ بكامل أوراق قوتها، بل وتضيف إليها مكاسب استراتيجية واضحة.
وبغض النظر عن توصيف بنود وقف إطلاق النار، سواء اعتبرها ترامب “أساسًا عمليًا للمحادثات” أو رآها الإيرانيون والباكستانيون مجرد هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، فإن الواقع على الأرض يكشف أن الشروط تميل بوضوح لصالح طهران. فإيران ستواصل تخصيب اليورانيوم، وهو ما لم يكن تنازلًا أصلاً، بل عرضًا سبق أن قدمته في مفاوضات سابقة قبل بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي. كما ستبقى مسيطرة على مضيق هرمز، وتسمح بمرور محدود للسفن وفق تنسيق مباشر مع قواتها المسلحة، مع استمرارها في تحصيل رسوم العبور، ما يعني عمليًا اعترافًا أمريكيًا بدورها كقوة مهيمنة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
الأمر لا يتوقف عند ذلك، فثمن السلام مع إيران، كما تطرحه طهران، يشمل التزامًا بعدم مهاجمتها مستقبلًا، ورفع العقوبات بالكامل، وتعويضها عن أضرار الحرب. أما مطلب انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، فيظل الأكثر تعقيدًا، خاصة مع تاريخ طويل من المطالبات العراقية التي لم تُنفذ حتى الآن.
في هذا السياق، يبرز الخاسر الأكبر: بنيامين نتنياهو. فقرار ترامب التراجع وسحب الغطاء عن حملة الضربات الجوية يمثل ضربة مباشرة للرجل الذي دفع واشنطن إلى هذه الحرب. وإذا كانت حرب غزة قد قضت على ما تبقى من “الشرعية الأخلاقية” لإسرائيل في أوروبا، فإن الحرب على إيران تهدد بإنهاء احتكارها للتأثير على صانع القرار الأمريكي في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الرؤية الإسرائيلية هي العدسة الوحيدة التي تُفهم من خلالها قضايا المنطقة في واشنطن.
الأخطر أن كل التقديرات التي قدمها نتنياهو لترامب داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض، خلال اجتماع استمر أكثر من ساعة في 11 فبراير، سقطت واحدة تلو الأخرى. فقد زعم أن البرنامج الصاروخي الإيراني يمكن تدميره خلال أسابيع، لكن إيران واصلت إطلاق صواريخها حتى الأسبوع السادس. وادعى أن النظام الإيراني سيضعف إلى درجة تمنعه من إغلاق مضيق هرمز، بينما الواقع أن أي سفينة لم تعبر إلا بإذن إيراني أو مقابل رسوم. وقلل من خطر استهداف إيران للمصالح الأمريكية، لكن طهران نفذت ضربات متواصلة استهدفت طائرات وأنظمة رادار وقوات أمريكية في الكويت والسعودية والإمارات وقطر.
وأشار. المقال إلى أن الرهان على تفكك داخلي في إيران أو اندلاع احتجاجات واسعة لم يحدث، بل إن الهجمات أدت إلى نتيجة معاكسة، حيث تعزز التماسك الداخلي وارتفع مستوى الدعم للحرس الثوري. وفي المقابل، تراجعت صورة إسرائيل في الغرب، خصوصًا بعد حرب غزة، ومع استمرار العمليات العسكرية في لبنان، ما أدى إلى تآكل ما يسميه الكاتب “الهيمنة الإسرائيلية على القرار الأمريكي في الشرق الأوسط”.
ويرى هيرست أن مصير ترامب ونتنياهو أصبح مترابطًا، فالأول ربط مستقبله السياسي بحرب قادها الثاني، وإذا انتهت بالفشل، فإن اللوم سيتجه مباشرة إلى نتنياهو، بينما يواجه ترامب ضغوطًا داخلية متزايدة، وصلت إلى حد الدعوة لمساءلته، في ظل تراجع شعبيته وصمت قاعدته الحزبية التي بدأت تدرك كلفة هذا المسار.
وتؤكد استطلاعات الرأي هذا التراجع، حيث أظهر استطلاع لمركز “بيو” أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي، وأن غالبية الأمريكيين لا يثقون في قرارات نتنياهو، خاصة بين الفئات الأصغر سنًا، ما يعكس تحولًا واضحًا في المزاج العام داخل الولايات المتحدة.
ورغم هذا التراجع، لا يستبعد الكاتب أن يحاول ترامب إعادة إشعال الحرب، مدعيًا أن إيران لم تلتزم بالاتفاق، خاصة مع سعي نتنياهو المستمر لدفع الأمور نحو التصعيد، وهو ما يمكن أن يحدث ببساطة من خلال استمرار القصف الإسرائيلي للبنان، دون الحاجة إلى عمليات معقدة أو ذرائع إضافية.
لكن السؤال الذي يطرحه هيرست هو: ماذا يمكن أن تفعل واشنطن أكثر مما فعلته؟ وما هي الأوراق التي تبقت لترامب؟ في المقابل، تمتلك إيران خيارات متعددة، من بينها إغلاق مضيق هرمز مجددًا، أو توسيع دائرة التأثير إلى ممرات حيوية أخرى مثل قناة السويس وباب المندب، خاصة مع امتلاك الحوثيين قدرات صاروخية تهدد الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والسلع عالميًا.
في هذا المشهد، يبدو ترامب أضعف من أي وقت مضى، إذ لا يحظى بدعم أوروبي كما حدث في حروب سابقة، ولا يمتلك القدرة السياسية أو العسكرية للاستمرار في حرب لا تحظى بتأييد حلفائه أو حتى جزء من قاعدته الداخلية. ويعتبر هيرست أن هذه الحرب أعادت إنتاج أخطاء الحروب الأمريكية السابقة، من العراق إلى أفغانستان وليبيا وسوريا وغزة، لكنها في الوقت نفسه كشفت تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها بالقوة.
هذا الضعف لم يمر دون ملاحظة، حيث رصدته كل من الصين وروسيا، اللتان لم تكتفيا بالامتناع عن التصويت على قرار في مجلس الأمن يدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بل استخدمتا حق النقض ضده، معتبرتين أنه يتجاهل جذور الأزمة ويحمل إيران المسؤولية وحدها. السفير الصيني لدى الأمم المتحدة وصف القرار بأنه “غير متوازن”، مشيرًا إلى أن توقيته سيئ، خاصة في ظل تصريحات ترامب التي تحدثت عن استهداف حضارة كاملة.
في سياق متصل، يوضح هيرست أن مصير وقف إطلاق النار الحالي لا يزال هشًا، ويتوقف على عاملين رئيسيين: الأول هو ما سيحدث في مضيق هرمز، وإمكانية التوصل إلى ترتيبات دائمة لإدارة المرور البحري بما يرضي إيران وسلطنة عمان. أما العامل الثاني فيتعلق بلبنان، حيث تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، في تجاهل واضح لفكرة توسيع وقف إطلاق النار ليشمل المنطقة بأكملها. ويشير الكاتب إلى أن استمرار القصف الإسرائيلي، الذي وصل إلى استهداف عشرات المواقع خلال دقائق، قد يدفع الأطراف الأخرى إلى الرد، ما يهدد بانهيار الهدنة.
وقد بدأت مؤشرات هذا الانهيار تظهر بالفعل، مع شن إسرائيل هجمات مكثفة على لبنان استهدفت عشرات المواقع خلال دقائق، وسقوط ضحايا بالعشرات، في وقت تعرض فيه خط أنابيب نفطي سعودي لهجوم، ما يعكس حجم التوتر القابل للانفجار.
في النهاية، يرى هيرست أن مضيق هرمز ولبنان سيحددان ما إذا كانت هذه الحرب ستتجدد أم لا، لكن المؤكد أن ترامب ونتنياهو يدركان تمامًا أن أي عودة للتصعيد لن تكون بلا ثمن، وأن ما حدث حتى الآن كشف حدود القوة التي راهنا عليها، وأعاد رسم موازين الصراع في المنطقة.