كتب الباحث السياسي السعودي سلمان الأنصاري تحليلًا يتناول طبيعة التحول العميق في العلاقة بين السعودية والإمارات، والأسباب التراكمية التي أدّت إلى التصدع القائم بين الرياض وأبو ظبي، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الإقليمي. ويعرض التحليل سردًا زمنيًا وتحليليًا للمحطات الرئيسية التي شكّلت هذا المسار، مع التركيز على اليمن، وإيران، والسودان، ودور الفاعلين غير الدولتيين، وانعكاسات ذلك على توازنات الخليج والمنطقة.
قال الأنصاري إن فهم ما يجري اليوم بين الرياض وأبو ظبي يستدعي العودة إلى إطار فكري أوسع. وأشار إلى أنه قبل نحو عشر سنوات أدار ندوة في الرياض مع كاتب عمود نيويورك تايمز توماس فريدمان، الذي طرح آنذاك فكرة مفادها أن العالم لم يعد منقسمًا بين الشرق والغرب، بل بين النظام والفوضى، معتبرًا أن هذا التصور يختزل بدقة جوهر الصراع القائم اليوم بين العاصمتين الخليجيتين.
وأوضح الأنصاري أن عددًا كبيرًا من المحللين والصحفيين الغربيين فشلوا مؤخرًا في تقديم تفسير متماسك للتباعد المتزايد بين السعودية والإمارات، حيث اتسمت تحليلاتهم بالتناقض أو السطحية. وأكد أن هدف تحليله هو تقديم عرض موضوعي ومباشر للمراحل الأساسية التي قادت إلى هذا الانفجار في العلاقة.
وأشار إلى أن السعودية، تاريخيًا، كانت تنظر إلى نفسها بوصفها العمق الاستراتيجي والركيزة الأمنية لمنطقة الخليج، وتفخر بكونها الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تخضع للاحتلال الأجنبي، وبموقفها الرافض للهيمنة البريطانية في الشرق الأوسط. ولفت إلى أن الإمارات، قبل قيامها كدولة، كانت تُعرف بالإمارات المتصالحة وتخضع للحماية البريطانية، حيث كانت لندن تتحكم في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية، بينما يدير الحكّام المحليون الشؤون الداخلية.
وأوضح أن الرياض لعبت دورًا ثابتًا في تشجيع الاستقلال والحكم الذاتي في المنطقة العربية، وكان لها دور مركزي في دعم قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بعد انسحاب بريطانيا. وذكّر بأن الملك فيصل كان من أوائل القادة الذين اعترفوا بالإمارات وقدّموا لها دعمًا سياسيًا وماليًا واسعًا في بداياتها خلال سبعينيات القرن الماضي.
وأضاف الأنصاري أن السعوديين نظروا خلال العقود اللاحقة إلى تطور الإمارات، ولا سيما تجربة دبي الاقتصادية في التسعينيات، بنوع من الفخر، باعتبارها نموذجًا عربيًا ناجحًا للتنمية غير المعتمدة على النفط. وأشار إلى أن كثيرًا من أبناء جيله في السعودية كانوا يتحدثون بإيجابية واضحة عن دبي في العقد الأول من الألفية، وأن هذا الشعور كان حقيقيًا وغير متكلّف.
أما على الصعيد الأمني، فأكد أن محللين جادين داخل مجلس التعاون ظلوا ينظرون إلى السعودية باعتبارها العمود الفقري للأمن الإقليمي، مستشهدًا بدورها في تحرير الكويت، ثم في التدخل السريع لقوات درع الجزيرة لحماية البحرين من التدخل الإيراني. وبيّن أن المنطق ذاته كان حاضرًا في التعامل السعودي مع الإمارات، خاصة عندما بدأت إيران في استفزاز أبو ظبي عسكريًا.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أصدر في 9 سبتمبر 2008 بيانًا قويًا أكد فيه عزم السعودية على تحرير الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران. لكنه أوضح أن المفاجأة جاءت بعد أقل من شهر، حين أرسلت أبو ظبي وزير خارجيتها إلى طهران في 30 أكتوبر 2008 لتوقيع اتفاقية تعاون شاملة، في خطوة بدت وكأنها اعتذار غير مباشر لإيران عن الموقف السعودي.
وأوضح الأنصاري أن السعودية لم تعترض علنًا على هذه الخطوة، إلا أن توقيتها وأسلوبها أثارا قلقًا بالغًا في الرياض وواشنطن وعواصم أخرى. وأضاف أن هذه المخاوف تعمّقت مع مرور الوقت، خاصة في ظل تحوّل الإمارات إلى ثاني أكبر شريك تجاري لإيران، وتكرار الإشارات في تقارير وزارة الخزانة الأمريكية إلى استخدام شبكات مقرها الإمارات في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كان آخرها في 16 يناير 2026.
وفيما يخص اليمن، قال الأنصاري إن السعودية شكّلت في عام 2015 تحالفًا عسكريًا بهدف حماية ميثاق الأمم المتحدة، والتصدي لميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وإعادة الحكومة الشرعية. وأشار إلى أن الإمارات بدت في البداية منسجمة بالكامل مع هذا المسار، وهو ما دفع الرياض إلى مكافأتها بإنشاء مجلس تنسيق استراتيجي، وإدماجها بعمق في مشاريع رؤية 2030 والمبادرات الاقتصادية الكبرى، بما خلق انطباعًا عامًا عن علاقة لا انفصام لها.
إلا أنه أوضح أن هذه الثقة لم تكن متبادلة، إذ بدأت أبو ظبي، بحسب التحليل، في استغلال آليات التعاون المشترك للاطلاع على الخطط الاقتصادية السعودية، ثم الانخراط في صفقات موازية ومنافسة بشكل منفرد. ونتيجة لذلك، خلصت الرياض إلى أن الإمارات لم تعد شريكًا اقتصاديًا موثوقًا، وقلّصت مستوى التعاون معها.
وأشار الأنصاري إلى أن نقطة الانفجار الحاسمة جاءت في اليمن، حين تكشّف أن مشاركة أبو ظبي في التحالف لم تكن تهدف إلى الحفاظ على وحدة اليمن، بل إلى دعم قوى انفصالية وتأمين نفوذ استراتيجي على الموانئ الحيوية، ولا سيما عدن ومناطق قريبة من مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من التجارة العالمية.
وأوضح أن التحالف بقيادة السعودية كان قد حرر قرابة 80 في المئة من الأراضي اليمنية، وكانت القوات الحكومية على بعد أقل من 20 كيلومترًا من صنعاء، قبل أن تُفاجأ الرياض بقيام أبو ظبي بتقسيم الجيش اليمني، وتحويل فصائله ضد بعضها البعض، وإنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي، مستغلة مظالم جنوبية حقيقية لأغراض جيوسياسية. واعتبر أن هذه اللحظة كانت التي حسمت قناعة الرياض بأن الإمارات لم تعد شريكًا موثوقًا لا سياسيًا ولا أمنيًا ولا اقتصاديًا، رغم أن السعودية واصلت حينها سياسة ضبط النفس، بل وحمت أبو ظبي مرارًا من انتقادات الحكومة اليمنية.
وتابع الأنصاري أن الإمارات مضت لاحقًا في مسار التطبيع مع إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام في سبتمبر 2020، وهو قرار لم تعترض عليه السعودية علنًا. لكنه أشار إلى أن شخصيات إماراتية بارزة، من بينها أنور قرقاش، قدّمت التطبيع كأداة لتعزيز تنافسية الإمارات الإقليمية، بل إن أصواتًا أخرى طرحته كأساس لتحالف جديد يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، وهو ما اعتبره خطأً استراتيجيًا جسيمًا.
وأضاف أن الرياض حاولت مرة أخرى استيعاب أبو ظبي، عبر الضغط على الحكومة اليمنية لإدماج المجلس الانتقالي في الحكومة، حفاظًا على وحدة البلاد. إلا أن أبو ظبي، بحسب التحليل، واصلت تمكين شخصيات مثل هاني بن بريك وعيدروس الزبيدي، ومنحتهما الجنسية الإماراتية، ليس بوصفهما رجال دولة، بل كقادة ميليشيات يُستخدمون كأدوات نفوذ، وتحويل الجنوب اليمني إلى ساحة صراع مفتوحة.
وأشار الأنصاري إلى أن تصريحات منسوبة لرئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني عام 2015، قال فيها إن إيران لا تمانع وجود يمنين، أحدهما شيعي في الشمال وآخر “صديق” في الجنوب، زادت من القلق حيال تداخل أهداف المشاريع الانفصالية مع الاستراتيجية الإيرانية. ولفت إلى أن الحوثيين أنفسهم لاحقًا أدانوا الضربات السعودية التي استهدفت ميليشيات المجلس الانتقالي.
كما استحضر ما كشفته وكالة أسوشيتد برس عام 2018، حين أوضحت أن الحرب الإماراتية المعلنة على الإرهاب في اليمن كانت في جانب كبير منها وهمية، حيث وثّقت التحقيقات قيام قوات مدعومة من الإمارات بتجنيد وتمويل عناصر من تنظيم القاعدة مقابل الولاء والسيطرة الميدانية.
وانتقل الأنصاري إلى السودان، معتبرًا أن أبو ظبي واجهت أخطر أزماتها على الإطلاق في 26 أكتوبر، بعد اتهام ميليشيا الدعم السريع المدعومة منها بالتورط في إبادة جماعية وجرائم قتل واغتصاب واسعة. وأشار إلى أن إعلان أبو ظبي بعد ذلك بأسبوعين عن تدريب عسكري اتحادي شامل في جميع الإمارات، وتحذير السكان من التصوير، حمل دلالات داخلية تتعلق بإرسال رسالة ردع لكل من يفكر في الاعتراض على سياساتها الخارجية.
وأضاف أن الحكومة الإماراتية لجأت لاحقًا إلى إعفاءات واسعة من القروض في 29 نوفمبر، في مزيج تقليدي من القمع والامتيازات، مؤكدًا أن حالة القلق داخل الإمارات، خصوصًا في دبي، باتت ملموسة بسبب تضرر سمعة الدولة التي تعتمد بقية إماراتها على السياحة والتجارة لا على النفط.
وفي مرحلة لاحقة، قال الأنصاري إن أبو ظبي دخلت حالة من الهوس السياسي، حيث اقتنعت دوائر عليا بأن ولي العهد السعودي ضغط على واشنطن لفرض عقوبات عليها بسبب دعمها لميليشيا الدعم السريع، وهو ادعاء وصفه بالكاذب تمامًا، مؤكدًا أنه لم يحدث مطلقًا، لكنه رغم ذلك أثّر في سلوك أبو ظبي اللاحق ودفعها إلى قرارات متهورة.
وأشار إلى أن الخطأ الأكبر تمثل في توجيه المجلس الانتقالي لمحاولة السيطرة على أراضٍ جديدة في حضرموت خلال قمة خليجية في البحرين، ما أدى إلى قتل مدنيين وتهجير قسري وترهيب واسع. وأوضح أن السعودية أصدرت إنذارًا مدته 72 ساعة للانسحاب، لكن قيادات منشقة من المجلس أكدت لاحقًا أن أبو ظبي أمرت الزبيدي بعدم الامتثال.
وأضاف أن السعودية تحركت حينها بشكل حاسم، فاستهدفت دبابات وأسلحة إماراتية في ميناء المكلا كانت مخصصة لميليشيات المجلس، رغم تعهد أبو ظبي بعدم تصدير السلاح، وساعدت الحكومة اليمنية على تفكيك المجلس الانتقالي خلال خمسة أيام فقط، منهية مشروعًا إماراتيًا استمر عقدًا كاملًا.
وختم الأنصاري بالتأكيد على أن السعودية لم تتخذ حتى الآن أي قرار بقطع العلاقات مع الإمارات، ولم تفرض مقاطعة أو حصارًا أو إغلاقًا للحدود أو الأجواء، بل اكتفت بإنهاء المغامرة الإماراتية في اليمن، وترك المجال لإعلامها الرسمي لكشف سياسات أبو ظبي المتهورة وجرائمها في اليمن والسودان وغيرها.
وأشار إلى أن أبو ظبي ربما أدركت متأخرة أن غطاءها الحقيقي كان الرياض، وأن رفع هذا الغطاء جزئيًا فقط كان كافيًا لتغيير المشهد. وخلص إلى أن الصراع في جوهره، وفق إطار فريدمان، هو صراع بين النظام والفوضى، معتبرًا أن أبو ظبي خانت الرياض، فردّت الأخيرة بإعادة رسم الحدود، ومشيرًا إلى أن خيانة أبو ظبي لمصر في السودان والقرن الأفريقي ستكون محور تحليله القادم.