الكاتب والمحلل الصحفي أندرو هاموند، يقدّم قراءة تحليلية مطوّلة للصراع في اليمن بوصفه ساحة مركزية تُستخدم لإعادة تشكيل الفوضى الإقليمية، ويركّز بشكل أساسي على الدور الذي تلعبه الإمارات في هذا السياق بوصفها أداة تخدم المشروع الإسرائيلي، وعلى الكيفية التي تستغل بها إسرائيل هذا الدور للعبث باليمن وضرب التوازنات الإقليمية الأوسع.

بدأ هاموند تحليله من حقيقة أن الخلاف السعودي-الإماراتي حول اليمن ليس جديدًا، لكنه ظل لسنوات في حالة كمون، إلى أن جاء التقارب الإماراتي-الإسرائيلي ليغيّر قواعد اللعبة. هذا التحالف الناشئ، القائم على إضعاف القوى الإقليمية التقليدية الكبرى، دفع السعودية – على غير عادتها – إلى اتخاذ مواقف أكثر حدّة، بعدما وجدت نفسها أمام مشروع يتجاوز اليمن ويستهدف بنية النظام الإقليمي نفسه.

وأوضح أن توصيف الإمارات بوصفها “سبارتا الصغيرة”، كما قال قائد القيادة المركزية الأميركية السابق جيمس ماتيس، لم يكن مجرد مبالغة إعلامية، بل توصيف دقيق لدولة تمارس نفوذًا عسكريًا وسياسيًا يتجاوز حجمها الطبيعي. هذا النفوذ، حين تلاقى مع الهواجس الإسرائيلية المشتركة تجاه إيران، والإسلام السياسي، والاعتماد على الحماية الأميركية، مهّد الطريق لتحالف وثيق تُوّج باتفاقيات التطبيع عام 2020 برعاية إدارة ترامب.

انتقل الكاتب بعد ذلك إلى التحول الجذري الذي طرأ على سياسة أبو ظبي بعد وفاة الشيخ زايد عام 2004، حيث جرى التخلي عن نهجه القائم على التوافق العربي لصالح مسار أكثر عدوانية صاغه محمد بن زايد، الذي حكم فعليًا منذ 2014 قبل أن يتولى الرئاسة رسميًا في 2022. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الأسلوب، بل إعادة تعريف لدور الدولة نفسها، بوصفها لاعبًا إقليميًا يتدخل عبر الوكلاء، مستخدمًا الثروة النفطية دون اكتراث بالرأي العام، مستفيدًا من واقع ديموغرافي يجعل المواطنين أقلية هامشية لا تشكّل ضغطًا سياسيًا حقيقيًا.

وأشار التقرير إلى أن هزات الربيع العربي كانت لحظة مفصلية أربكت القيادة الإماراتية، إذ ظهرت مطالب – حتى داخل الشريحة المحدودة من المواطنين – بالمشاركة السياسية. جرى تحميل التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، مسؤولية هذه “العدوى السياسية”، ما دفع أبو ظبي إلى الدخول في مواجهة شاملة مع هذا التيار داخل الدولة وخارجها.

في هذا السياق، تعاونت الإمارات مع السعودية في محاربة القوى الإسلامية المنتخبة في المنطقة، من مصر إلى ليبيا، وفي مواجهة النفوذ التركي والقطري الداعم لها. ويشير التقرير إلى اتهامات تركية بضلوع إماراتي في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، بما يعكس عمق الصراع غير المعلن.

ومع اندلاع حرب غزة، يرى الكاتب أن الإمارات – مثلها مثل إسرائيل – رأت في الحرب فرصة لتصفية نفوذ حماس وجماعة الإخوان المسلمين إقليميًا. تصريحات أنور قرقاش حول “انتهاء صلاحية” الطروحات الفلسطينية القصوى تعكس، بحسب التقرير، رؤية تتقاطع مع الموقف الإسرائيلي، رغم أن الفصائل الفلسطينية نفسها تقبل بحل الدولتين، ما يثير تساؤلات حول طبيعة “التنازلات” المطلوبة فعليًا.

عند الانتقال إلى اليمن، يذكّر التقرير بأن السعودية هي من طلبت تدخل الإمارات في البداية ضمن التحالف العسكري لإخراج الحوثيين من صنعاء بعد سيطرتهم على السلطة عام 2014. خوف الرياض من تحوّل الحوثيين إلى نسخة يمنية من حزب الله على حدودها دفعها للاستمرار في دعم حزب الإصلاح الإسلامي. ومع عزوف دول كبرى مثل مصر وباكستان عن إرسال قوات، لم تجد السعودية بديلًا عن أبو ظبي، رغم سذاجتها – كما يصفها التقرير – في تقدير النوايا الإماراتية.

سرعان ما اتضح أن اهتمام الإمارات لم يكن منصبًا على مواجهة الحوثيين بقدر ما كان يركّز على بناء نفوذ مستقل في جنوب اليمن عبر قوى محلية موالية لها. تم إنشاء تشكيلات عسكرية وسياسية بدعم إماراتي مباشر، من ألوية العمالقة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة الوطنية، ما مكّن أبو ظبي من السيطرة على موانئ استراتيجية ومضيق باب المندب.

ويشير التقرير إلى أن الإمارات، مثل السعودية، استعانت بمرتزقة من قوات الدعم السريع السودانية، لكنها ذهبت أبعد من ذلك، إلى حد اتهامها بدعم هذه القوات في حربها ضد الحكومة السودانية رغم الجرائم الموثقة التي ارتكبتها.

الأخطر، وفق التقرير، هو التعاون الإماراتي-الإسرائيلي المباشر في اليمن، من خلال إنشاء قواعد عسكرية وأنظمة رادار وبنى تحتية استخبارية في جزر استراتيجية مثل سقطرى وبريم وعبد الكوري وزقر. هذا الوجود موثّق، لكنه لا يحظى بنقاش كافٍ، رغم خطورته على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.

ويربط الكاتب بين هذا الدور وبين اعتراف إسرائيل مؤخرًا بأرض الصومال، معتبرًا أن الخطوة تأتي تتويجًا لسنوات من الاستثمار الإماراتي في الإقليم، من موانئ وقواعد عسكرية إلى بنية تحتية، في إطار سياسة ظاهرها دعم الحكومات المركزية وباطنها تفكيك الدول من الداخل.

في اليمن، تكرّس الإمارات نفوذها عبر دعم شخصيات رئيسية داخل مجلس القيادة الرئاسي، ما أدى فعليًا إلى شلل هذا الكيان. ويقدّم التقرير المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أداة مركزية في المشروع الإماراتي-الإسرائيلي، حيث يروّج قادته لفكرة أن اليمن لم يعد يضم سوى قوتين: الحوثيين في الشمال، والمجلس الانتقالي في الجنوب، وأن الاعتراف بالجنوب هو الطريق الأسرع “للاستقرار”، وفق المنظور الغربي.

يلفت التقرير إلى أن رئيس المجلس الانتقالي لم يُخفِ سعيه للانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مستقبلًا، معتبرًا أن دعم الإمارات وإسرائيل هو السبيل لتجاوز التحفظ الأميركي على تقسيم اليمن. هذا الطرح يخدم في الوقت نفسه هدف عزل الحوثيين وتعميق ارتباط الصراع اليمني بالتجاذبات الدولية الكبرى.

في المقابل، تبدو السعودية – بحسب التقرير – وكأنها فقدت السيطرة على الملف اليمني. فمنذ الهدنة الأممية عام 2022، باتت الرياض ترى أن السلام مع الحوثيين هو الخيار الأقل كلفة، خاصة في ظل انخراطها في مشاريع اقتصادية ضخمة تتطلب بيئة إقليمية أكثر استقرارًا. وقف إطلاق النار في غزة أتاح لها استئناف محادثات التهدئة مع الحوثيين، وهي محادثات سعت الإمارات والمجلس الانتقالي إلى عرقلتها، لأنها كانت ستقود إلى ترتيبات تقاسم للثروات تشمل حقول النفط والغاز في الجنوب.

ويختم التقرير بتأكيد أن ما يجري في اليمن لا يمكن فصله عن رؤية أوسع لدى أبو ظبي وتل أبيب تقوم على إضعاف القوى الإقليمية الكبرى، مثل السعودية وتركيا وإيران، عبر تفتيت الدول وإعادة تشكيل الخرائط السياسية. في هذا الإطار، يصبح اليمن أداة مركزية في مشروع فوضى منظّم، ترى فيه الإمارات وإسرائيل وسيلة للبقاء في صورتهما الحالية، ومقاومة أي ضغوط إقليمية أو دولية تدفع نحو تغيير حقيقي في بنية السلطة والنفوذ في المنطقة.