في ذروة أجواء أعياد الميلاد التي يفترض أن تجمع الألمان على قيم الفرح والسلام، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة غير مسبوقة من الشائعات تزعم أن السلطات الألمانية ألغت أسواق عيد الميلاد الشهيرة “خوفًا من المسلمين”، ما أثار موجة غضب وجدلاً واسعًا في أوروبا.
وبينما بدت القصة للوهلة الأولى مجرد إشاعة موسمية، كشف تحليل شبكي أجرته قناة الجزيرة عن خيوط معقدة تقود إلى شبكة يمينية متطرفة، تحركها حسابات ومنصات رقمية مدعومة ماليًا من جهات خارجية، أبرزها الإمارات العربية المتحدة التي ضُبطت سابقًا بتمويل حملات إلكترونية معادية للإسلام في أوروبا.
منشورات مزيفة وبداية الحملة
بدأت القصة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، حين انتشرت تغريدات ومنشورات تزعم أن المدن الألمانية ألغت أسواق أعياد الميلاد التقليدية بسبب “تهديدات إرهابية” و”ضغوط من الجاليات المسلمة”. ورغم أن ألمانيا تستضيف أكثر من 2500 سوق ميلاد سنويًا تجتذب ملايين الزوار، فإن المزاعم ادعت أن هذه الأسواق ألغيت “استجابة لمطالب الإسلاميين” — وهي رواية تتطابق مع الخطاب المعادي للمهاجرين الذي يروّج له اليمين المتطرف الأوروبي منذ سنوات.
وبينما سارع مستخدمون محليون إلى تكذيب الرواية، تضخمت القصة عبر حسابات مؤثرة في أوروبا، لتتحول إلى حملة رقمية عابرة للحدود تهدف إلى تأجيج الخوف من المسلمين وتشويه صورة الجاليات المهاجرة.
اتهامات للمسلمين وتلاعب بالعواطف
الناشطة اليمينية المتطرفة ناومي زايفت، المعروفة بخطابها العنصري، كانت من أوائل من أعادوا نشر المزاعم، مدعية أن “عيد الميلاد تحوّل إلى ساحة معركة ضد الإسلاميين”. واستشهدت زايفت بحوادث قديمة، أبرزها حادثة دعس عام 2024 في مدينة ماغدبورغ، لتبرير فكرة أن المسلمين “يكرهون مظاهر الاحتفال المسيحي”، في إعادة إنتاج مكررة لخطاب “صدام الحضارات”.
كما ربطت حسابات أخرى – يدير بعضها مؤثرون مرتبطون بدوائر ضغط خليجية – بين “الخوف من الإرهاب الإسلامي” و”تراجع مظاهر الأعياد”، في محاولة لتصوير المسلمين كمصدر دائم للتهديد الأمني والاجتماعي.
فبركات بصرية وتلاعب بالذكاء الاصطناعي
من بين أبرز الأدلة المزيفة التي استُخدمت في الحملة، صورة تداولها السياسي البلجيكي اليميني المتطرف فيليب ديوينتر، تُظهر أسواقًا ألمانية محصنة بالأسلاك والكتل الخرسانية، وعلّق عليها بأنها “نتيجة لأسلمة أوروبا”. لكن فريق “الجزيرة تحقق” اكتشف أن الصورة مولدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر أداة “جيميني” التابعة لغوغل، وليست حقيقية.
كما روّج حساب “Radiogenoa” – وهو من أبرز الحسابات اليمينية المتشددة – لمقطع فيديو يظهر بث الأذان في إحدى ساحات الأسواق بألمانيا، زاعمًا أنه تم استبدال موسيقى الأعياد بالأذان. إلا أن التحقق الجغرافي للفيديو أثبت أنه صُوِّر عام 2023 في مدينة كارلشتات خلال فعالية ثقافية بعنوان “الشرق يلتقي الغرب”، نظمتها بلدية المدينة لتعزيز التعايش بين الثقافات، أي قبل أسابيع من أسواق الأعياد الفعلية.
الحقائق الموثقة: لا إلغاء ولا تهديد
عند مراجعة البيانات الرسمية والمواقع السياحية الألمانية، تبيّن أن جميع أسواق أعياد الميلاد في مدن مثل برلين وميونخ ودريسدن وكولونيا وهامبورغ مستمرة في مواعيدها المعتادة، بل إن بعضها أعلن عن فعاليات موسعة لاستقطاب الزوار بعد ركود السياحة في العام الماضي.
ونشرت منصة ChristmasMarkets.de، وهي مرجع سياحي ألماني، جدولاً محدثًا يوضح أن أسواق الميلاد لعام 2025 قائمة بالكامل دون أي إلغاء رسمي أو محلي.
تحليل شبكي: حملة منسقة تمولها الإمارات
بحسب تحليل “الجزيرة تحقق” الذي شمل أكثر من 10 آلاف تغريدة على منصة “إكس” بين 20 أكتوبر و3 نوفمبر 2025، فإن الحملة نُفذت عبر شبكة مترابطة من الحسابات اليمينية المتطرفة، استخدمت مفردات دينية وأمنية لتغذية الكراهية ضد المسلمين. وأظهر التحليل أن ثلاثة حسابات رئيسية قادت الانتشار:
- suespeaksup – تنشط في حملات ضد اللاجئين.
- radiogenoa – ممول من مؤسسات إعلامية يمينية أوروبية.
- seibtnaomi – تتلقى دعمًا من منظمات ضغط أوروبية وخليجية.
وربط التحقيق هذه الشبكة بحسابات أخرى على فيسبوك ويوتيوب مرتبطة بمؤسسة إعلامية مقرها أبوظبي، سبق أن كُشف عن تمويلها لحملات رقمية ضد المسلمين في فرنسا وهولندا تحت ذريعة “مكافحة التطرف”. وتشير البيانات إلى أن هذه المؤسسات الإماراتية تضخ إعلانات مدفوعة ومحتوى ممول لتوسيع مدى هذه المنشورات على المنصات الأوروبية.
من ألمانيا إلى بريطانيا: انتقال الحملة عبر الحدود
لم تقتصر الحملة على ألمانيا؛ إذ أظهر التحليل الشبكي أن السردية امتدت إلى بريطانيا، حيث استخدمت حسابات يمينية محلية القصة نفسها للتحريض ضد المسلمين هناك.
وبينما دعت النائبة البريطانية داون بتلر إلى رفض الإسلاموفوبيا في تغريدة داعمة للمجتمعات المسلمة، واجهت موجة من الهجوم من حسابات يمينية قادتها الإعلامية جون سلاتر التي سخرت قائلة: “لو كانت المشكلة الإسلاموفوبيا فعلًا، لكانت المساجد محصّنة كالقلاع، لا أسواق الميلاد”.
هذا التفاعل العابر للحدود يعكس – وفق التحليل – وجود منصات تنسيق رقمية تديرها شركات علاقات عامة بتمويل خليجي، تستغل أزمات أوروبا الثقافية لإشعال الجدل حول الهجرة والدين.
خاتمة: الإسلاموفوبيا صناعة ممولة
يخلص تحليل الجزيرة إلى أن الحملة الأخيرة ليست مجرد شائعة موسمية، بل جزء من منظومة تضليل منسقة تستغل المواسم الدينية لإعادة تدوير الكراهية. وتلعب الإمارات دورًا مركزيًا في تمويل روايات “الخوف من الإسلام” عبر دعم مؤسسات إعلامية أوروبية يمينية ومراكز دراسات تدّعي مواجهة التطرف، بينما تروّج عمليًا لـ”الاستبدال الديمغرافي” و”أسلمة الغرب”.
ومع اقتراب احتفالات الأعياد، يتجلى خطر هذا الخطاب في تحويل رمزية الميلاد من رسالة سلام وتعايش إلى أداة تحريض ضد المسلمين، في مشهد يفضح كيف أصبحت الإسلاموفوبيا تجارة سياسية وإعلامية عابرة للحدود، تقف وراءها شبكات نفوذ تتقاطع فيها المصالح الأمنية والإيديولوجية والمالية — وعلى رأسها تمويل إماراتي يسعى لترسيخ صورة سلبية عن الإسلام والمسلمين في الوعي الأوروبي.
اقرأ أيضًا : عباس يصمت على دماء الضفة.. الاحتلال يلاحق أسرى “طوفان الأحرار”