في توقيتٍ بالغ الدلالة، لم يكن اختيار أبو ظبي كمقر لانطلاق أول محادثات ثلاثية مباشرة بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة منذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط 2022 مجرد تفصيل بروتوكولي أو صدفة جغرافية. بل يعكس هذا الاختيار محاولة واعية لإعادة تقديم النظام الإماراتي بوصفه “وسيط سلام” دولياً، في لحظة تاريخية تتعلق بإحدى أكثر الحروب دموية وتدميراً في القرن الحادي والعشرين، في تناقض صارخ مع سجل هذا النظام نفسه في إشعال الحروب، وتمويل النزاعات، ودعم الإبادة الجماعية، والمشاركة النشطة في تفكيك دول ومجتمعات بأكملها في المنطقة العربية.

المحادثات التي استضافتها أبو ظبي جمعت بين وفود من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في أعلى مستوى معروف من التواصل الثلاثي منذ اندلاع الحرب، لكنها بدأت في ظل تمسك موسكو بمطالبها القصوى المتعلقة بالأراضي الأوكرانية، وعلى رأسها إصرارها على انسحاب القوات الأوكرانية من إقليم دونباس كشرط مسبق لإنهاء الحرب. هذا الإصرار، الذي تكرر على لسان الكرملين قبيل انطلاق المحادثات، يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى هذه الجولة من المفاوضات، وحول الدور الذي يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى لعبه كـ“صانع سلام”، رغم كل ما يحيط به من صفقات، وضغوط، وشبهات تضارب المصالح.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أوضح أن الاجتماعات تُعقد على “مستوى المفاوضين”، مؤكداً أن هذا الشكل من الحوار يحدث لأول مرة منذ فترة طويلة، ومشيراً إلى أن الوفد الأوكراني “يعرف ما يجب فعله”. في المقابل، أرسلت روسيا وفداً تقوده شخصية عسكرية رفيعة، هو رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، الأدميرال إيغور كوستيوكوف في إشارة واضحة إلى أن موسكو تتعامل مع هذه المحادثات باعتبارها امتداداً للمواجهة العسكرية، لا مساراً سياسياً حقيقياً لتسوية النزاع.

هذه الجولة جاءت بعد اللقاء السابع الذي جمع المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حيث تمحورت النقاشات حول مطالب روسيا الإقليمية وضمانات الأمن لأوكرانيا، وهي قضايا قال زيلينسكي إنها نوقشت أيضاً مع ترامب خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ولم يكن ويتكوف وحده في موسكو، بل رافقه جاريد كوشنر، صهر ترامب، في حضور يعكس مرة أخرى تشابك السياسة الخارجية الأميركية مع المصالح العائلية والاقتصادية، إضافة إلى مشاركة جوش غرونباوم، الذي عُيّن مستشاراً ضمن ما يسمى “مجلس السلام” الذي شكّله ترامب لغزة، في مفارقة أخلاقية صارخة في ظل استمرار الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.

من جهته، وصف مستشار الكرملين الدبلوماسي يوري اوشاكوف المحادثات بأنها “مفيدة من جميع النواحي”، معلناً الاتفاق على عقد أول اجتماع لفريق عمل ثلاثي معني بالقضايا الأمنية في أبو ظبي. إلا أن هذا الخطاب التفاؤلي لم يُخفِ حقيقة أن روسيا أعادت، مع بدء الاجتماعات، التأكيد على مطلبها الأساسي بانسحاب أوكرانيا من دونباس، وهو ما شدد عليه أيضاً المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، معتبراً هذا الانسحاب “شرطاً مهماً جداً” لأي تسوية.

في الوقت ذاته، ذهب مسؤولون روس آخرون أبعد من ذلك، مطالبين بإجراءات إضافية لم تُدرج حتى فيما يسمى “خطة السلام ذات العشرين نقطة”، في تصريحات تعكس نية واضحة لمواصلة الضغط وصولاً إلى تغيير النظام في كييف. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عبّر عن هذا التوجه بوضوح عندما قال إن أي تسوية تهدف إلى “الحفاظ على النظام النازي الحالي” في أوكرانيا هي تسوية “غير مقبولة بالكامل”، في خطاب تحريضي يعكس استمرار العقلية التوسعية نفسها التي قادت إلى الحرب.

حتى حلفاء أوكرانيا الغربيون أبدوا شكوكهم. المتحدث باسم الحكومة الألمانية ستيفين مير تساءل علناً عما إذا كانت موسكو مستعدة فعلاً للتراجع عن مطالبها القصوى، محذراً من أن أي اتفاق يمنح روسيا “فسحة لالتقاط الأنفاس” قد لا يكون سوى تمهيد لجولة جديدة من العدوان، ومشدداً على أن مسألة الضمانات الأمنية يجب أن تكون في صلب أي تسوية.

وسط كل هذه الوقائع، يبرز السؤال الجوهري: لماذا أبو ظبي؟ وكيف لنظام متورط حتى النخاع في حروب لا تنتهي في السودان واليمن وليبيا، وداعم بشكل مباشر أو غير مباشر للإبادة الجماعية في فلسطين، أن يقدم نفسه اليوم كراعٍ لمحادثات سلام في حرب كبرى مثل الحرب الأوكرانية؟ كيف يُراد للعالم أن يتجاهل سجل الإمارات في تمويل الميليشيات، وتقويض مسارات السلام، وإدامة النزاعات، مقابل صورة مصقولة تُقدَّم على موائد الدبلوماسية الدولية؟

الأمر لا يبدو منفصلاً عن محاولة أوسع لغسل السمعة وتبييض الجرائم عبر لعب أدوار “إنسانية” و“دبلوماسية” انتقائية، برعاية أميركية مباشرة. وهنا يطرح السؤال الأكثر إحراجاً: كم دفعت أبو ظبي لترامب كي يؤدي هذا الدور؟ وكم من الصفقات، المعلنة أو الخفية، تقف خلف هذا المشهد؟ وهل يمكن فعلاً لمحادثات تُعقد على أرض نظام متوحش، متورط في إشعال الحروب ودعم الإبادة، أن تُقنع العالم بأنها مسعى جاد للسلام؟

إن استضافة هذه المحادثات في أبو ظبي ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى إعادة تدوير الأنظمة المتورطة في الدماء، ومنحها شرعية دولية جديدة، على حساب ضحايا حروب لا تزال مستمرة، وعلى حساب حقيقة أن السلام لا يُصنع في عواصم الحرب، ولا يُدار بأموال ملوثة بدماء الشعوب.