في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تكفي قراءة التصريحات الرسمية وحدها. فالمشهد الأهم اليوم لا يجري في قاعات البيت الأبيض أو داخل اجتماعات الكونغرس، بل في التحول الأعمق داخل المجتمع الأمريكي نفسه. إسرائيل التي ظلت لعقود تتمتع بحصانة شبه مطلقة في السياسة الأمريكية بدأت تفقد موقعها القديم، لا لأن رؤساء واشنطن أصبحوا فجأة أكثر عدلًا تجاه الفلسطينيين، بل لأن دعم إسرائيل تحول تدريجيًا من عقيدة سياسية راسخة إلى عبء انتخابي وأخلاقي متزايد.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان دونالد ترامب صهيونيًا بالمعنى السياسي التقليدي؛ فهو كان أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين خدمة للمشروع الإسرائيلي. السؤال الحقيقي هو: هل يكون ترامب آخر رئيس أمريكي يستطيع أن يمنح إسرائيل كل ما تريد، دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا كبيرًا داخل الولايات المتحدة؟

المفارقة أن ترامب، الذي قدم لإسرائيل ما لم يجرؤ كثير من أسلافه على تقديمه، أصبح في نظر قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي شخصًا يمكن مهاجمته واتهامه بالخيانة. الرجل الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وشرعن ضم الجولان المحتل، وعيّن ديفيد فريدمان، أحد أبرز المدافعين عن المستوطنين، سفيرًا في تل أبيب، وفتح قنوات البيت الأبيض أمام بنيامين نتنياهو وحلفائه، لم يعد كافيًا بمجرد أن أظهر ترددًا أو رغبة في كبح بعض حروب إسرائيل المفتوحة.

هذا التحول في الخطاب الإسرائيلي تجاه ترامب يكشف طبيعة العلاقة أكثر مما يكشف شخصية ترامب نفسه. فإسرائيل لا تتعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره تحالفًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل كاستحقاق دائم. وما إن يحاول الرئيس الأمريكي، أيًا كان مستوى انحيازه السابق، وضع حد مؤقت لحرب أو صفقة أو تصعيد، حتى يتحول في الإعلام الإسرائيلي اليميني من حليف تاريخي إلى متخاذل أو خائن أو “تشامبرلين” جديد.

لقد منح ترامب إسرائيل كل ما تحتاجه تقريبًا: شرعية رمزية في القدس والجولان، غطاء سياسي للإبادة في غزة، دعمًا غير مشروط في مواجهة الفلسطينيين، وبيئة داخل البيت الأبيض لم تكن تل أبيب تحتاج فيها إلى الضغط من الخارج، لأن رجالها وحلفاءها كانوا داخل الدائرة الأقرب للرئيس. جاريد كوشنر لم يكن مجرد صهر للرئيس، بل مهندسًا لرؤية أمريكية ترى غزة مساحة استثمارية وساحلية قابلة لإعادة التشكيل، لا أرضًا لشعب محاصر وممزق.

ومع ذلك، حين اصطدم ترامب مؤقتًا برغبة نتنياهو في حرب دائمة، انقلب عليه جزء من الخطاب الإسرائيلي. هذا ليس جديدًا في تاريخ الصهيونية. فمنذ بدايات المشروع، كان هناك نمط متكرر: الاعتماد على قوة عظمى، ثم الانقلاب عليها عندما لا تمنح المشروع الصهيوني كل ما يريد. بريطانيا أصدرت وعد بلفور ومهّدت الطريق للمشروع الصهيوني في فلسطين، لكنها تعرضت لاحقًا لعنف جماعات صهيونية مسلحة حين حاولت ضبط الهجرة أو إدارة الصراع بما لا يوافق الإرادة الصهيونية كاملة. فندق الملك داود في القدس لم يكن مجرد حادثة من الماضي، بل مثال مبكر على أن الامتنان السياسي لم يكن جزءًا أصيلًا من هذا المشروع حين يتعلق الأمر بتوسعه وأهدافه.

النمط نفسه تكرر مع الولايات المتحدة. باراك أوباما منح إسرائيل أكبر حزمة مساعدات عسكرية في تاريخها، ومع ذلك لم يتوقف نتنياهو عن مهاجمته، بل تدخل بوضوح ضد إدارته، وحاول نسف الاتفاق النووي مع إيران من داخل واشنطن نفسها. جو بايدن، الصهيوني الليبرالي التقليدي، منح إسرائيل غطاءً واسعًا خلال الإبادة في غزة، ومع ذلك تعرض للتوبيخ والإهانة من نتنياهو وحلفائه كلما بدا أنه يريد تخفيف الضغط أو تجميل المشهد سياسيًا.

هذه العلاقة تكشف أن المشكلة ليست في هذا الرئيس أو ذاك، بل في بنية سياسية ترى الدعم الأمريكي حقًا ثابتًا، وترى أي قيد، مهما كان محدودًا، خيانة. إسرائيل لا تريد حليفًا قويًا فقط، بل راعيًا مطلقًا لا يعترض ولا يشترط ولا يراجع. وحين يبدأ هذا الراعي في التردد، يظهر الوجه الحقيقي للغضب الإسرائيلي.

لكن الجديد اليوم أن هذا الغضب لا يجري في فراغ. إسرائيل تخسر داخل الولايات المتحدة نفسها. الإبادة في غزة، والحرب الفاشلة على إيران، ورفض الانسحاب من غزة وجنوب لبنان وسوريا، كل ذلك قتل جيلًا كاملًا من الدعم التلقائي لإسرائيل داخل أمريكا. لم تعد صورة إسرائيل كـ“دولة صغيرة تدافع عن نفسها” قادرة على الصمود أمام مشاهد الأطفال المقتولين، والمجاعة، والمستشفيات المدمرة، والمخيمات المحروقة، والاحتلال الممتد بلا نهاية.

استطلاعات الرأي تكشف اتجاهًا واضحًا: أغلبية الأمريكيين باتت تنظر إلى إسرائيل بصورة سلبية، والرفض بين من هم دون الخمسين يتزايد داخل الحزبين، لا داخل اليسار وحده. بين الديمقراطيين، أصبح دعم إسرائيل مكلفًا سياسيًا. وبين الجمهوريين، بدأت قطاعات من اليمين الشعبوي ترى إسرائيل عبئًا لا أصلًا استراتيجيًا. هذه ليست نهاية اللوبي الإسرائيلي، لكنها بداية تآكل الهالة التي حمت إسرائيل لعقود.

التحول داخل الحزب الديمقراطي أوضح وأسرع. هزائم مرشحين مدعومين من إيباك في الانتخابات التمهيدية لم تعد تفصيلًا محليًا، بل مؤشرًا على أن دعم اللوبي الإسرائيلي لم يعد ضمانة للنجاح، وقد يتحول إلى عبء. نيويورك، التي تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، شهدت صعود مرشحين يتحدثون بوضوح عن الإبادة والأبارتهايد، ويربطون بين العدالة الاجتماعية داخل أمريكا ووقف دعم الجرائم في غزة.

هذا لا يعني أن الحزب الديمقراطي أصبح حزبًا مؤيدًا لفلسطين بالمعنى الكامل. فالتحول ما زال محدودًا ومتنازعًا عليه، وبعض الفائزين الذين يُحتفى بهم لا يزالون ليبراليين صهاينة أو يرفضون المقاطعة أو يرتبطون بمواقف سابقة داعمة لصناعات السلاح الإسرائيلية. لكن ما تغير هو حدود الممكن السياسي. قبل سنوات قليلة، كان نقد إسرائيل يضع المرشح في الهامش. اليوم، أصبح الدفاع عن إسرائيل بلا شروط هو الذي قد يضعه في موقف دفاعي أمام ناخبين غاضبين من الإبادة.

فلسطين انتقلت من الهامش إلى المتن. لم تعد قضية محصورة في دوائر يسارية صغيرة أو في جاليات عربية ومسلمة. أصبحت اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لجيل يرى أن الحديث عن العدالة في الداخل الأمريكي لا يمكن فصله عن تمويل حرب إبادة في الخارج. لذلك يقدم كثير من المرشحين الجدد قضايا السكن والرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية ووقف الإبادة في غزة باعتبارها جزءًا من معركة واحدة ضد النخبة السياسية والمالية نفسها.

أما داخل اليمين الأمريكي، فالتغيير أكثر تناقضًا لكنه حقيقي. تيار “أمريكا أولًا” لا يتحرك دائمًا من منطلق تعاطف مع الفلسطينيين، لكنه بدأ ينظر بريبة إلى الحروب التي تجر واشنطن إلى كلفة عسكرية وسياسية لخدمة إسرائيل. حرب إيران، التي بدا أن نتنياهو دفع ترامب إليها دون خطة واضحة، عمّقت هذا الشعور. بالنسبة لبعض المحافظين، إسرائيل لم تعد حليفًا يجلب الاستقرار، بل قوة تدفع أمريكا نحو صراعات لا تنتهي.

هنا يصبح ترامب شخصية انتقالية. هو من جهة تجسيد كامل للحقبة الصهيونية في الرئاسة الأمريكية: القدس، الجولان، المستوطنون، كوشنر، الغطاء المطلق لإسرائيل، والعداء للفلسطينيين. لكنه من جهة أخرى قد يكون آخر رئيس يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يواجه واقعًا أمريكيًا جديدًا. فالقواعد الشعبية التي كانت تصفق لإسرائيل تلقائيًا تتغير، والجيل الجديد لا يحمل الذاكرة السياسية نفسها، ولا يرى إسرائيل من خلال رواية الهولوكوست والحرب الباردة وحدها، بل من خلال غزة.

المأزق الإسرائيلي أن نتنياهو، أو من يأتي بعده، لا يملك طريقًا سهلًا لاستعادة اليمين الأمريكي أو الديمقراطيين الشباب. استمرار الحرب في غزة قد يخدم نتنياهو داخليًا لأنه يحتاج إلى اليمين المتطرف في حكومته وحملته الانتخابية، لكنه يزيد الاشمئزاز من إسرائيل في أمريكا. وكلما حاولت إسرائيل تقديم حربها كـ“11 سبتمبر” جديدة، اصطدمت بجمهور أمريكي بدأ يراجع أصلًا كارثة “الحرب على الإرهاب” وكيف استخدمت لتصوير الإسلام كله كتهديد وجودي.

حتى إن رحل نتنياهو، لن تختفي الأزمة إذا بقيت السياسات نفسها. المشكلة لم تعد محصورة في شخصه، بل في صعود التفوق اليهودي إلى قلب الخطاب الإسرائيلي. حين يتحدث مسؤولون إسرائيليون سابقون عن أن أيديولوجيا التفوق اليهودي أصبحت “ماين كامف بالعكس”، فإن الأمر لم يعد نقدًا خارجيًا، بل اعترافًا من داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن المشروع السياسي نفسه انجرف نحو مركزية العرق والدين والقوة العارية.

لذلك، فإن إسرائيل لا تواجه فقط أزمة علاقات عامة، بل أزمة شرعية. لم يعد ممكنًا أن تقنع العالم الشاب بأنها واحة ديمقراطية بينما تمارس الاحتلال والأبارتهايد والإبادة. ولم يعد ممكنًا أن تطلب من واشنطن شيكًا على بياض بينما يشعر ناخبون أمريكيون بأن أموالهم واسم بلادهم يُستخدمان في قتل المدنيين وتجويعهم.

مع ذلك، الطريق إلى تغيير فعلي في السياسة الأمريكية لن يكون سريعًا. اللوبي الإسرائيلي لن يتراجع بسهولة، وسيخوض معركة شرسة لحماية نفوذه داخل الكونغرس والإعلام والجامعات والحملات الانتخابية. كما أن الحركة المؤيدة لفلسطين داخل أمريكا ما زالت تواجه حدودًا واضحة: أصبح من المقبول أكثر انتقاد إيباك أو نتنياهو، لكن الحديث عن المقاومة الفلسطينية وحق تقرير المصير والتحرر الوطني لا يزال خارج “النقاش المقبول” في كثير من المساحات السياسية.

لكن الاتجاه العام لا يمكن إنكاره. أولًا يأتي التعاطف مع معاناة الفلسطينيين. ثم تأتي معارضة إسرائيل كدولة حرب دائمة. ثم يتآكل الاستثناء الإسرائيلي في السياسة الأمريكية. وبعد ذلك فقط قد يصبح الاعتراف الكامل بحقوق الفلسطينيين ممكنًا داخل التيار الرئيسي. قد يستغرق ذلك أكثر من دورة انتخابية، لكنه بدأ بالفعل.

من هنا تبرز أهمية سؤال: هل يكون ترامب آخر رئيس أمريكي صهيوني؟ ربما لا يكون آخر رئيس يدعم إسرائيل، فالدعم المؤسسي لها عميق وممتد. لكنه قد يكون آخر رئيس يستطيع أن يقدم نفسه كصهيوني كامل بلا كلفة داخلية هائلة. قد يكون آخر رئيس يستطيع أن يمنح إسرائيل القدس والجولان والسلاح والغطاء السياسي، ثم يتصور أن هذا لا يغير شيئًا في الداخل الأمريكي.

كلما أصبح دعم إسرائيل فعلًا مفروضًا بالقوة السياسية والمالية، لا إيمانًا تلقائيًا لدى الناخبين، زادت أزمة الصهيونية داخل أمريكا. فالخطر الحقيقي على إسرائيل ليس فقط أن ينتقدها خصومها، بل أن يصبح الدفاع عنها مكلفًا، مرهقًا، ومحتاجًا إلى أموال إيباك وحملات التخوين والقمع بدل أن يكون قناعة واسعة.

ترامب لم ينهِ الصهيونية الأمريكية. لكنه قد يكون قد كشف حدودها الأخيرة. فقد أعطى إسرائيل كل شيء تقريبًا، ثم اكتشف أن إسرائيل تريد أكثر، وأن جزءًا متزايدًا من أمريكا لم يعد يريد دفع الثمن. وإذا استمر هذا المسار، فقد لا يكون السؤال مستقبلًا: من هو الرئيس الأمريكي الأكثر دعمًا لإسرائيل؟ بل: من هو آخر رئيس استطاع أن يفعل ذلك دون أن يخسر جيلًا كاملًا من الأمريكيين؟