تتصدر دولة الإمارات قائمة الدول التي تعرضت للاستهداف الإيراني منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة في المنطقة، بعدما أعلنت وزارة خارجيتها أنها تعرضت لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو رقم يفوق مجموع الهجمات التي تعرضت لها بقية الدول المستهدفة مجتمعة. ويأتي هذا الإعلان في ظل تصاعد غير مسبوق للتوتر الإقليمي، وفي وقت تواجه فيه أبوظبي تساؤلات متزايدة حول دورها الحقيقي في الحرب، خاصة في ظل علاقاتها الأمنية الوثيقة مع الاحتلال الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، وتحول أراضيها خلال السنوات الأخيرة إلى منصة متقدمة للتنسيق الأمني والاستخباراتي في المنطقة.

ورغم نفي الإمارات مشاركتها المباشرة في العمليات العسكرية ضد إيران، فإن حجم الاستهداف الذي تعرضت له يعكس –بحسب مراقبين– طبيعة الدور الذي لعبته الدولة في السنوات الأخيرة، والذي جعلها في قلب الصراع الإقليمي بين طهران ومحور الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.

أرقام تكشف حجم الاستهداف غير المسبوق للإمارات

تشير الإحصاءات التي نشرت حتى الثلاثاء الماضي إلى أن إيران استهدفت سبع دول عربية منذ بداية الحرب، مستخدمة ما يقارب 1941 صاروخاً وطائرة مسيّرة. وكانت الإمارات الدولة الأكثر تعرضاً للهجمات، حيث استهدفت بـ186 صاروخاً باليستياً و812 طائرة مسيرة، وهو رقم يتجاوز بكثير الهجمات التي طالت بقية الدول.

وجاءت الكويت في المرتبة الثانية من حيث حجم الاستهداف، تلتها البحرين ثم قطر والأردن والسعودية، فيما كانت سلطنة عمان الأقل تعرضاً للهجمات. ويكشف هذا التفاوت الكبير في عدد الضربات عن طبيعة الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، التي يبدو أنها ركزت بشكل أساسي على الإمارات باعتبارها نقطة ارتكاز حساسة في البنية العسكرية والاقتصادية الداعمة للوجود الأمريكي والإسرائيلي في الخليج.

وتؤكد وزارة الخارجية الإماراتية أن قواتها المسلحة تمكنت من التصدي لمعظم هذه الهجمات “باحترافية وكفاءة”، مشيرة إلى أن الدولة تحتفظ بحقها الكامل في الرد والدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

أبوظبي تنفي المشاركة في الحرب

في بيان رسمي، شددت الخارجية الإماراتية على أن الدولة لم تشارك في الحرب الجارية ضد إيران، ولم تسمح باستخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية أو مجالها الجوي في أي هجوم يستهدف الأراضي الإيرانية.

وأكد البيان أن سياسة الإمارات تقوم على مبدأ حسن الجوار وخفض التصعيد في المنطقة، وأنها ملتزمة بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة في تعاملها مع النزاعات الإقليمية.

لكن هذه الرواية الرسمية تواجه تشكيكاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث يرى العديد من المراقبين أن طبيعة العلاقات العسكرية والأمنية التي نسجتها أبوظبي خلال السنوات الماضية، خصوصاً بعد اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، جعلت من الصعب فصلها عن الصراع الدائر حالياً.

التطبيع وتحول الإمارات إلى ساحة صراع استخباراتي

منذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، شهدت الإمارات توسعاً كبيراً في التعاون الأمني والعسكري مع تل أبيب، بما في ذلك مشاريع مشتركة في مجالات الدفاع السيبراني والتكنولوجيا العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

ويعتقد خبراء في الشؤون الأمنية أن هذا التعاون المتزايد جعل الإمارات هدفاً استراتيجياً لإيران، التي تنظر إلى الوجود الإسرائيلي في الخليج باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وخلال السنوات الأخيرة، تحدثت تقارير متعددة عن نشاط استخباراتي إسرائيلي متزايد داخل الإمارات، سواء عبر شركات التكنولوجيا أو عبر التعاون الأمني المباشر بين الأجهزة الاستخباراتية في البلدين. هذا الوجود، بحسب طهران، يشكل جزءاً من شبكة إقليمية تهدف إلى مراقبة إيران واحتواء نفوذها.

وبناء على ذلك، يرى محللون أن الضربات الإيرانية المكثفة على الإمارات ليست مجرد رد عسكري عابر، بل رسالة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الخليج.

تحركات دولية لحماية حلفاء الخليج

في ظل هذا التصعيد، أعلنت فرنسا عن تحرك عسكري جديد لدعم حلفائها في المنطقة. فقد أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإرسال حاملة الطائرات “شارل ديغول” مع مجموعتها القتالية إلى البحر المتوسط، في خطوة تعكس القلق الأوروبي من اتساع رقعة الحرب.

وأكد ماكرون أن بلاده ترتبط باتفاقيات دفاعية مع عدد من دول الخليج، من بينها الإمارات وقطر والكويت، مشدداً على أن هذه الدول تستحق التضامن والدعم في مواجهة التهديدات الأمنية التي تتعرض لها.

ويعكس هذا التحرك احتمال تحول المواجهة الحالية إلى صراع دولي أوسع، خاصة مع دخول قوى كبرى على خط الأزمة لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

درس قاسٍ لتحالفات الإمارات الإقليمية

بالنسبة لكثير من المراقبين، فإن ما تتعرض له الإمارات اليوم يمثل نتيجة مباشرة لسياساتها الإقليمية خلال العقد الأخير، والتي قامت على توسيع النفوذ الأمني والعسكري خارج حدودها، وبناء شبكة واسعة من التحالفات مع القوى الغربية والاحتلال الإسرائيلي.

ويرى هؤلاء أن أبوظبي سعت إلى لعب دور إقليمي يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، ما جعلها طرفاً مؤثراً في العديد من الصراعات في الشرق الأوسط، من ليبيا إلى اليمن مروراً بالسودان والقرن الأفريقي.

لكن هذه الاستراتيجية –بحسب منتقديها– جعلت الإمارات أيضاً عرضة للارتدادات الخطيرة للصراعات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والمحور الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى.

ومع استمرار الحرب وتزايد الضربات المتبادلة، تبدو الإمارات اليوم أمام اختبار صعب: هل تستطيع الحفاظ على توازنها بين تحالفاتها الأمنية المتشابكة، أم أن التحولات المتسارعة في المنطقة ستفرض عليها إعادة النظر في كامل استراتيجيتها الإقليمية؟

اقرأ أيضًا : صور أقمار صناعية تفضح حجم الدمار في مقر الأسطول الخامس الأمريكي بالبحرين