تدخل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى مرحلة أكثر تعقيدًا مع ظهور مؤشرات متزايدة على خلل في منظومة الإنذار المبكر الإقليمية، بعد تعرض عدد من الرادارات الأمريكية المتقدمة في دول الخليج لضربات مباشرة خلال الأيام الماضية. ووفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية، فإن هذا التطور لم يعد مجرد خسارة تقنية، بل تحول إلى عامل مؤثر في سير العمليات العسكرية نفسها، بعدما تسبب في تقليص زمن التحذير من الصواريخ الإيرانية إلى مستويات خطيرة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من سجال الحرب حيث تتنافس التكنولوجيا الدفاعية والهجومية على فرض معادلة الردع.

تراجع زمن الإنذار المبكر
بحسب القناة 14 العبرية، فإن عملية رصد الصواريخ الإيرانية لم تعد تتم بالسرعة التي كانت عليها في السابق، بعد تدمير أو تعطيل عدد من الرادارات الأمريكية المتقدمة المنتشرة في الخليج. وكانت هذه الرادارات تشكل جزءًا من شبكة إنذار مبكر واسعة تربط القواعد الأمريكية في المنطقة بمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بما يسمح بتتبع إطلاق الصواريخ فور خروجها من الأراضي الإيرانية.
لكن بعد الضربات التي طالت تلك المنظومات، تغير المشهد بشكل واضح. إذ تشير التقارير العبرية إلى أن صفارات الإنذار في بعض الحالات لم تعد تُطلق إلا قبل دقيقة واحدة فقط من وصول الصواريخ، بينما كان الوقت المتاح سابقًا يتراوح بين ثماني إلى عشر دقائق. هذا الفارق الزمني الكبير يعني عمليًا أن المدنيين والعسكريين لم يعد لديهم وقت كافٍ للوصول إلى الملاجئ، وهو ما يزيد من مستوى المخاطر ويؤثر في قدرة منظومات الدفاع على الاستجابة.
ويعد زمن الإنذار المبكر عنصرًا حاسمًا في أنظمة الدفاع الصاروخي الحديثة، إذ يمنح الرادارات البعيدة القدرة على تتبع الصواريخ في مراحلها الأولى وإعطاء أوامر الاعتراض قبل دخولها المجال الجوي القريب من الهدف. ومع تقلص هذا الوقت، تصبح عملية الاعتراض أكثر تعقيدًا.
ضربات استهدفت شبكة الرادارات الأمريكية
التقارير الإعلامية الأمريكية والعبرية تشير إلى أن إيران ركزت خلال الأيام الأولى للحرب على استهداف منظومات الرصد والإنذار المبكر المنتشرة في الخليج، باعتبارها نقطة ضعف حيوية في البنية الدفاعية الأمريكية.
وتعرض رادار منظومة الدفاع الصاروخي “ثاد” في الأردن لضربة مباشرة أدت إلى تدميره في الأيام الأولى من المواجهة، وهو رادار يعد من أهم عناصر شبكة الدفاع الإقليمية التي تستخدمها الولايات المتحدة لمراقبة إطلاق الصواريخ الباليستية من إيران.
كما تعرضت رادارات أخرى في الإمارات لضربات متكررة بواسطة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة أو تعطيل قدرتها على العمل بكفاءة.
وفي البحرين، حيث يقع مقر الأسطول الخامس الأمريكي في المنامة، استهدفت طائرات مسيرة إيرانية مواقع الرادارات في اليوم الأول من الحرب، ما تسبب في أضرار كبيرة وإخراج بعض الأنظمة عن الخدمة.
وتشير التقارير إلى أن هذه الضربات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى إضعاف شبكة الإنذار المبكر التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة.
خسائر مالية وتكنولوجية ضخمة
إلى جانب الأثر العسكري المباشر، تشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن الولايات المتحدة تكبدت خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تدمير أو تعطيل هذه المنظومات المتطورة. فالرادارات المستخدمة في منظومات الدفاع الصاروخي مثل “ثاد” أو الرادارات بعيدة المدى تعتبر من أكثر المعدات العسكرية كلفة وتعقيدًا.
ولا تقتصر الخسائر على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى فقدان قدرات تقنية مهمة كانت توفر تغطية واسعة لمنطقة الخليج والشرق الأوسط. إذ كانت هذه الرادارات تشكل جزءًا من شبكة متكاملة تشمل الأقمار الصناعية وأنظمة القيادة والسيطرة، ما يسمح بتبادل البيانات في الوقت الحقيقي بين القواعد الأمريكية والحلفاء.
ومع تضرر هذه الشبكة، أصبح الاعتماد أكبر على الرادارات القريبة أو على أنظمة المراقبة الفضائية، وهو ما يقلل من دقة التنبؤ بمسار الصواريخ ويؤثر في سرعة الاستجابة الدفاعية.
صواريخ جديدة تتحدى أنظمة الكشف
إلى جانب تدمير الرادارات، تشير التقارير العبرية إلى أن إيران اختبرت صاروخًا جديدًا يتمتع بقدرات متقدمة على التهرب من أنظمة الكشف المبكر. ووفق ما نقلته وسائل الإعلام العبرية، فإن الأنظمة الدفاعية لم تتمكن من رصد هذا الصاروخ إلا عندما دخل الغلاف الجوي، أي في مرحلة متأخرة للغاية من مساره.
هذا التطور يشير إلى أن إيران تعمل على تطوير تقنيات تسمح لصواريخها بتقليل البصمة الرادارية أو التحليق في مسارات يصعب رصدها مبكرًا، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة الدفاعات الجوية.
ويرى خبراء عسكريون أن الجمع بين استهداف الرادارات وتطوير صواريخ أكثر قدرة على التهرب من الكشف يمثل تحولًا في أسلوب الحرب الصاروخية، حيث تسعى طهران إلى إضعاف منظومات الدفاع قبل إطلاق الهجمات الكبرى.
سجال الحرب يتجه نحو معركة التكنولوجيا
ما يحدث حاليًا يعكس طبيعة السجال العسكري بين الطرفين، حيث لم تعد المواجهة مجرد تبادل للضربات، بل تحولت إلى صراع على السيطرة التكنولوجية في ميدان الحرب الحديثة.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها يعتمدون بشكل أساسي على منظومات الدفاع الصاروخي والإنذار المبكر المتطورة، بينما تسعى إيران إلى تحييد هذه القدرات عبر ضرب البنية التحتية للرصد أو تطوير أسلحة قادرة على تجاوزها.
ومع استمرار الحرب، يتوقع مراقبون أن يشهد هذا السجال مزيدًا من التصعيد، سواء عبر توسيع نطاق الضربات على البنية التحتية العسكرية أو عبر إدخال تقنيات جديدة إلى ساحة المعركة.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، تبدو شبكة الدفاع الإقليمية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود، بينما تسعى الأطراف المتحاربة إلى فرض معادلة ردع جديدة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها.
اقرأ أيضًا : روسيا تدخل ساحة المواجهة وتمنح إيران معلومات لاستهداف القوات الأمريكية