بقلم سامي شحاتة
يديعوت أحرونوت، التي تعد من أبرز وسائل الإعلام الإسرائيلية وأكثرها قربًا من دوائر صنع القرار في تل أبيب والتي كانت دومًا من أشد المدافعين عن سياسات ترامب، لم تستطع تجاهل حقيقة أنه رجل بلا ولاء، مستعد لخيانة أقرب حلفائه متى ما اقتضت مصلحته ذلك. في مقال نشرته، وصفته بأنه يقود “تحالفًا للبلطجية”، محذرة من أن إسرائيل نفسها قد تجد نفسها ضحية تقلباته وسلوكه غير المتوقع. هذه ليست مجرد مبالغة صحفية، بل حقيقة أثبتتها سياساته المتقلبة، حيث لا عهد له ولا أمان، وكل من يراهن عليه يكتشف عاجلًا أم آجلًا أنه كان مجرد ورقة استُخدمت ثم أُلقيت جانبًا.
ترامب ليس الرئيس الذي يمكن الوثوق به أو الاعتماد عليه، فهو لا يرى الحلفاء شركاءً استراتيجيين، بل مجرد أدوات يستخدمها لتحقيق مكاسب شخصية، ثم يتخلص منها بمجرد أن تنتهي فائدتها. كل من وضع ثقته به اكتشف عاجلًا أم آجلًا أن ولاءه الوحيد هو لنفسه، وأن أي التزام يقطعه يمكن أن يُلغى في لحظة إن رأى فيه عائقًا لمصالحه. من حلفاء تقليديين إلى زعماء راهنوا على دعمه، الجميع معرض للخيانة متى ما اقتضت حساباته ذلك، وآخر الضحايا كان زيلينسكي، الذي تحول فجأة من شريك أساسي إلى عبء سياسي يسعى ترامب للتخلص منه، تمامًا كما فعل مع غيره من الحلفاء الذين استخدمهم ثم باعهم في أول فرصة.
وكما ذكرت، أحد أبرز الأمثلة على ازدواجية ترامب وخيانته لحلفائه هو ما حدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إذ كان زيلينسكي حتى وقت قريب يُعتبر أحد أبرز شركاء واشنطن، فهو الرجل الذي قاد أوكرانيا في مواجهة روسيا معتمدًا على الدعم الأميركي الكامل، لكنه لم يدرك أن ترامب ليس كغيره من الرؤساء الأميركيين، فهو لا يرى الحلفاء سوى أدوات تُستخدم ثم تُرمى. لم يتردد ترامب في إذلال زيلينسكي علنًا أمام وسائل الإعلام، بل أشار إليه بازدراء عند استقباله في البيت الأبيض وسخر من ملابسه العسكرية. لم يكن هذا مجرد تصرف عابر، بل كان رسالة واضحة لكل حلفاء واشنطن مفادها: لا أمان لترامب، والولاء له لا يضمن الحماية.
الأمر لا يقتصر على أوكرانيا وحدها، بل إن ترامب يسعى الآن إلى تشكيل تحالفات جديدة تتناقض تمامًا مع التزاماته السابقة. فهو، وبعد أن ألقى زيلينسكي تحت الحافلة، يتقارب بشكل واضح مع روسيا، العدو اللدود لأوكرانيا، مما يشير إلى أن كل شيء بالنسبة له خاضع لإعادة التفاوض والتغيير وفقًا لحساباته الخاصة. إن هذا النمط من السلوك السياسي لا يمكن أن يبني تحالفات طويلة الأمد، بل يؤدي في النهاية إلى عزلة أميركا وانهيار علاقاتها التقليدية مع شركائها.
وعلى الرغم من أن خيانة ترامب لحلفائه تتوالى بشكل واضح، إلا أن هناك من لا يزال يراهن عليه، وخاصة بعض الزعماء العرب الذين جعلوا من واشنطن ركيزة لسلطتهم. هؤلاء القادة الذين يبيعون القضية الفلسطينية، ويستقوون بالولايات المتحدة على شعوبهم، ويعتقدون أن ترامب سيحميهم إلى الأبد، هم في الواقع يضعون أعناقهم تحت مقصلة رجل لا يعترف بأي ولاء إلا لمصالحه، بل يتخلى عن أصدقائه بمجرد أن يجد مصلحة أكبر في مكان آخر. إنهم يراهنون على رئيس لا يتردد في إهانة أقرب حلفائه الأوروبيين، فهل يمكن أن يكون وفياً للأنظمة العربية التي لا تقدم له سوى المال والخدمات المجانية؟!
ليس سرًا أن ترامب يحتقر حلفاءه العرب حتى وهو يأخذ منهم مليارات الدولارات؛ لطالما تحدث عنهم بازدراء، واصفًا إياهم بأنهم “لن يبقوا في الحكم لأسبوع واحد” لولا الحماية الأميركية، وهو تصريح يكشف كيف ينظر إليهم: مجرد دمى تابعة له يمكن التخلص منها عندما تنتفي الحاجة إليها. وإذا كان قد تخلى عن زيلينسكي، الذي يقاتل من أجل البقاء بدعم أميركي، فماذا سيفعل بحلفائه العرب الذين لا يملكون سوى المال والسلطة القمعية بلا أي ظهير شعبي!
إن الزعماء العرب الذين يعتمدون على ترامب في مواجهة شعوبهم، أو يعتقدون أن علاقتهم مع الولايات المتحدة ستحميهم إلى الأبد، عليهم أن يعيدوا التفكير في حساباتهم قبل أن يجدوا أنفسهم في موقف مشابه لما حدث مع زيلينسكي، أو حتى ما حدث مع قادة آخرين خانهم ترامب بلا تردد. لا أحد آمن في ظل حكم هذا الرجل، فسياساته قائمة على الابتزاز، وشراكاته قائمة على المصالح، وعندما تحين اللحظة المناسبة، سيبيع الجميع بلا تردد.
الرهان على واشنطن لن يكون رهانًا رابحًا في المدى الطويل، خاصة عندما يكون ترامب على رأس المشهد. هذا الرجل الذي يفاخر بأنه “أفضل صانع صفقات” لا يتردد في قلب الطاولة على أي شخص، والذين يراهنون عليه اليوم سيجدون أنفسهم غدًا في قائمة الضحايا الذين طعنهم في الظهر. لذلك، بدلاً من اللهاث خلف ترامب، على الزعماء العرب أن يبحثوا عن طرق لبناء سياسات مستقلة تحفظ مصالح شعوبهم، وإلا فإنهم سيكتشفون بعد فوات الأوان أن الثقة بترامب كانت مقامرة خاسرة.