في تحليل نشرته صحيفة الغارديان للصحفي روبرت تايت، يظهر دونالد ترامب في مأزق يشبه، ولو من بعيد، الكابوس الذي طارد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قبل خسارته انتخابات 1980: إيران، وحرب لا يستطيع إنهاءها، وأزمة تمتد إلى الاقتصاد والناخبين، وخصم في طهران يعرف كيف ينتظر اللحظة المناسبة ليحوّل الفشل العسكري إلى ثمن سياسي.

التحليل لا يقدم ترامب كرئيس يملك خطة، بل كرجل عالق في حرب بدأها مع إسرائيل ضد إيران قبل نحو ستة أشهر، ثم وجد نفسه غير قادر على الخروج منها بشروطه. وقف إطلاق النار الذي وُقّع في يونيو انهار، ومضيق هرمز بقي تحت سيطرة إيران، وهو ممر كان يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية قبل الحرب. ومع تعطّل المرور وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وتكاليف المعيشة، تدخل الولايات المتحدة موسم انتخابات التجديد النصفي بينما يحاول ترامب إنكار حجم الورطة التي صنعها بيديه.

المقارنة مع جيمي كارتر ليست مطابقة، لكنها كاشفة. كارتر ظل سنوات يطارد ذكرى أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، وفشل عملية الإنقاذ التي قُتل فيها ثمانية عسكريين أمريكيين عام 1980. وعندما سُئل بعد رئاسته عما يندم عليه أكثر، أجاب فورًا: “عدم إرسال المزيد من المروحيات” لإنقاذ الرهائن. تلك الأزمة ساهمت في سحق فرصه الانتخابية، وأفرجت إيران عن الرهائن بعد دقائق فقط من أداء رونالد ريغان اليمين رئيسًا.

اليوم، يرى محللون أن إيران قد تدرك هذه الذاكرة التاريخية جيدًا، وأن ترامب نفسه قد لا يكون بعيدًا عنها. فهو يدخل موسمًا انتخابيًا بينما حربه مع طهران مستمرة، والناخب الأمريكي يشعر بأن الوضع الاقتصادي أسوأ منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025. وهنا يعود السؤال الشهير الذي استخدمه ريغان ضد كارتر: هل أنت أفضل حالًا مما كنت عليه قبل أربع سنوات؟ بالنسبة لترامب، يصبح السؤال أكثر قسوة: هل دفع الأمريكيون ثمن حرب لم تكن لها ضرورة واضحة؟

لاري ساباتو، مدير مركز السياسة في جامعة فرجينيا، يرى أن الرابط الأهم بين كارتر وترامب هو العجز عن تغيير المسار. كارتر كان عالقًا لأن فشل عملية الإنقاذ أدى إلى تفريق الرهائن في أنحاء إيران، فلم يعد قادرًا على استرجاعهم بالقوة. أما ترامب، بحسب ساباتو، فهو عالق لأنه لم يكن يملك أصلًا مبررًا قويًا للحرب. دخلها بحثًا عن “انتصار” جديد، لا عن استراتيجية واضحة.

يقول ساباتو إن كل ما احتاجه مستشارو ترامب لإقناعه هو أن يصوروا له الحرب كعملية سهلة، مثل مغامرة جديدة بعد فنزويلا وربما تمهيدًا لكوبا. هذه هي عقلية ترامب كما يكشفها التحليل: رئيس يتعامل مع الحرب كاستعراض قوة، لا كقرار يجر اقتصادًا وشعوبًا وحلفاء إلى المجهول.

ومع انتهاء مهلة وقف إطلاق النار التي استمرت ستين يومًا دون حل رسمي، يجد ترامب نفسه أمام حملة انتخابية وهو يحمل حربًا غير شعبية يبدو أنه يخسرها. وحتى الآن، كان رده خليطًا من الإقناع الضعيف، والإنكار، والتهديدات الفارغة.

في 14 أغسطس، وخلال ظهوره في أكاديمية شرطة مقاطعة ناسو في نيويورك، حاول ترامب التقليل من أثر الحرب على أسعار الوقود، وطلب من الأمريكيين تقبل ارتفاع السعر إلى أربعة دولارات باعتباره ثمنًا ضروريًا لمنع “دولة شريرة” من امتلاك سلاح نووي. أي إنه يطلب من المواطن الأمريكي أن يدفع فاتورة حرب بدأها هو، ثم يقدّم ذلك كأنها تضحية بسيطة لا تستحق الغضب.

ثم انتقل إلى لغة البلطجة العارية. في مقابلة مع فوكس نيوز، هدد بأن “يقصف عمان” إذا وقفت في طريق جهود إنهاء الصراع مع إيران. وفي حركة عبثية أثارت سخرية الإيرانيين، أعلن على وسائل التواصل أن مضيق هرمز “أرض أمريكية جديدة”. وبعد ذلك، هدد بإطلاق “حرب اقتصادية وعزلة غير مسبوقة” ضد إيران، دون أن يشرح ما يعنيه ذلك فعليًا، مكتفيًا بتحذير مبهم للدول التي تمنح طهران “أي شريان حياة”.

هذا التذبذب بين التهديد والإنكار والاستعراض يعكس مأزقًا واضحًا: ترامب لا يملك خيارات جيدة. لا يستطيع إعلان النصر لأن إيران لم تنكسر، ولا يستطيع إنهاء الحرب بشروطه، ولا يستطيع إخفاء أثرها الاقتصادي، ولا يستطيع تركها تختفي من العناوين بينما طهران تمسك بمضيق هرمز وتدرك أثر ذلك على النفط والأسواق.

وهنا تدخل إيران اللعبة الانتخابية بوضوح. فبحسب فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية وخبير الشأن الإيراني في جامعة جونز هوبكنز، فإن القيادة الإيرانية مصممة على جعل ترامب يدفع ثمن بدء هذه الحرب في انتخابات التجديد النصفي. إيران، كما يقول، لا تريد السماح له بالتحكم في إيقاع الحرب: لا يقرر وحده متى يخفض التصعيد، ولا متى يعلن النصر، ولا متى يدفن الملف انتخابيًا.

الموقف الإيراني، وفق نصر، هو أن طهران “لها صوت” في هذه الحرب، ولن تجعلها مريحة لترامب. وقد لمحت إلى أنها تمنحه أسابيع قليلة للعودة إلى مذكرة التفاهم وتنفيذها بالكامل، وإلا ستصعّد. والتصعيد هنا قد يعني هجمات أوسع على أهداف خليجية، ومزيدًا من الهجمات على قواعد أمريكية وأصول عسكرية أمريكية. أي أن إيران لا تسعى إلى تهدئة الملف، بل إلى إبقائه حاضرًا في الإعلام، وفي الأسواق، وفي عقل الناخب الأمريكي.

هذا التشدد الإيراني ترافق مع تغييرات داخل القيادة الأمنية في طهران، بينها صعود محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري خلال حرب إيران والعراق، إلى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وتعيين حسين طائب، رجل الدين المتشدد ورئيس الاستخبارات السابق، على رأس الباسيج، مع مهمة تحويلها إلى جهاز مراقبة محلي يلاحق المعارضة الداخلية وما تعتبره إيران اختراقًا إسرائيليًا لمجتمعها.

بعبارة أخرى، إيران لا تبدو في عجلة من أمرها. ويرى مهرزاد بوروجردي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، أن الإيرانيين قرروا جعل حياة ترامب أكثر بؤسًا بطرق متعددة، وسيبذلون ما يستطيعون لإضعافه في انتخابات التجديد النصفي. فاستطلاعات الرأي الأمريكية تربط بين حرب إيران وتدهور مزاج الناخبين، وهذا بالضبط ما يضغط على البيت الأبيض.

ترامب، الذي كان يهدد بالقوة العسكرية، بدأ يميل إلى الرهان على الاقتصاد باعتباره نقطة ضعف النظام الإيراني، ومحاولة إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات. لكن المشكلة، كما يقول بوروجردي، أن الإيرانيين لا يرون وضعهم الاقتصادي كارثيًا بالدرجة التي تجبرهم على الاستعجال. هم يراهنون على الوقت، وعلى أن الاقتصاد الأمريكي والعالمي سيكونان أكثر حساسية لاستمرار إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز.

آلان آير، الخبير السابق في الشأن الإيراني بوزارة الخارجية الأمريكية، يصف المشهد بأنه سباق بين ساعتين اقتصاديتين، ويرى أن الكفة تميل لصالح إيران. فالولايات المتحدة حاولت تخفيف الصدمة عبر الإفراج عن النفط من الاحتياطي الاستراتيجي، والضغط على الأسواق، والاستفادة من تراجع واردات الصين النفطية، لكن مرونة النظام بدأت تتراجع، وموجة تضخم جديدة تقترب.

ويشير آير إلى نقطة شديدة الأهمية: سعر الديزل. فالديزل ليس مجرد وقود آخر، بل عصب سلاسل الإمداد الحديثة. وبحسب الأرقام التي يوردها، بلغ سعر جالون الديزل 5.44 دولارات، بعد أن كان 5.30 قبل أسبوع، و5.06 قبل شهر، و3.70 قبل عام. هذا الارتفاع لا يبقى في محطات الوقود، بل ينتقل إلى السلع، والنقل، والمخازن، والأسعار، والتضخم، ثم إلى صناديق الاقتراع.

في هذا المأزق، قد يكون الخيار الأقل سوءًا أمام ترامب هو محاولة إعادة فتح مضيق هرمز بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر ممكن، لكن تحت سيطرة إيرانية، لأن طهران لن تتخلى عن السيطرة على المضيق في المدى القصير أو المتوسط. وهذا الخيار، إن حدث، سيكون أقرب إلى الاعتراف بالهزيمة منه إلى إعلان نصر. فالرجل الذي أعلن المضيق “أرضًا أمريكية جديدة” قد يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع واقع أن إيران هي التي تمسك بمفتاحه.

حتى إعادة فتح المضيق لن تعني انتعاشًا اقتصاديًا فوريًا. شركات التأمين البحري ستحتاج وقتًا لتقييم المخاطر، والسفن لن تعود بمجرد بيان سياسي، والأسواق لن تنسى سريعًا أن ممرًا حيويًا للطاقة العالمية أصبح ورقة ضغط في يد إيران بسبب حرب ترامب.

التحليل يذهب أبعد من ذلك. ترامب، بحسب آير، قد لا يكون مكترثًا كثيرًا لمصير حزبه في الكونغرس. فهو يرى علامته الشخصية أعلى من العلامة الجمهورية، ولا يبدو أن احتمال دخول الحزب الجمهوري “مفرمة انتخابية” في نوفمبر يدفعه إلى تغيير سلوكه. وهذا جزء من خطورة الرجل: الحرب بالنسبة له قد تكون مسألة صورة شخصية، بينما يدفع حزبه والبلد والعالم كلفة الحسابات.

بل إن ترامب قد يكون يستعد أصلًا لحياة سياسية تحت كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون. فقد عيّن هذا الشهر المحامي اليميني ويل شارف مستشارًا قانونيًا جديدًا للبيت الأبيض، فيما يبدو استعدادًا لموجة متوقعة من مذكرات الاستدعاء وطلبات الوثائق والتحقيقات البرلمانية إذا فاز الديمقراطيون بالكونغرس.

وفي الوقت نفسه، بدأ ترامب، الذي رفض علنًا قبول خسارته أمام جو بايدن في انتخابات 2020، يمهد أيضًا للتشكيك في نزاهة انتخابات نوفمبر. أي إن الرجل لا يواجه فقط حربًا عالقة، بل يستعد سياسيًا وقانونيًا لمعركة داخلية قد تبدأ فور صدور النتائج.

بالنسبة لإيران، إضعاف ترامب انتخابيًا جائزة تستحق الانتظار. فخسارة الجمهوريين قد تفتح الباب أمام الديمقراطيين في الكونغرس لتشديد الرقابة على السلوك الأمريكي في الحرب. ويرى فالي نصر أن نتيجة الانتخابات قد تجعل العامين الأخيرين من رئاسة ترامب أكثر صعوبة، وتحد من قدرته على الفعل. وبعد الانتخابات مباشرة، سيتحول التركيز إلى انتخابات 2028، وإذا لم يجد ترامب طريقة لإنهاء الحرب، أو إذا أصبحت أكثر دموية وتأثيرًا على الاقتصاد العالمي، فإنها ستتحول إلى قضية رئاسية كبرى.

وهنا تعود الذاكرة الإيرانية إلى لحظة كارتر. القيادة الثورية الإيرانية، التي لا يزال بعض رموز جيلها في مواقع تأثير أو في الذاكرة السياسية للنظام، تعرف جيدًا كيف أثرت أزمة الرهائن على مصير رئيس أمريكي. وساباتو يطرح السؤال ببساطة: لماذا لا يفعلون الشيء نفسه مرة أخرى؟ لقد ربحوا حينها، وهم يريدون أن يربحوا الآن ضد خصم يحتقرونه أكثر بكثير من كارتر.

الفرق أن ترامب ليس كارتر. كارتر كان مأزومًا وضعيفًا ومطاردًا بالفشل، لكنه لم يكن يتعامل مع السياسة الدولية بمنطق الاستعراض والتهديد اللفظي والغرور الشخصي. أما ترامب، كما يظهر في تحليل الغارديان، فهو عالق في حرب بدأها بلا مبرر واضح، يحاول الخروج منها بالتهديد، ويطلب من الأمريكيين قبول الغلاء، ويهدد دولًا وسيطة مثل عمان، ثم يتظاهر بأنه يملك السيطرة على مضيق تمسك إيران بزمامه.

هذه ليست قيادة. هذه عنجهية وصلت إلى الحائط. ترامب دخل الحرب بحثًا عن نصر سريع، فوجد نفسه أمام خصم يعرف كيف يطيل النفس، واقتصاد يتآكل بفعل الطاقة والتضخم، وناخبين يتساءلون لماذا يدفعون ثمن حرب لا تتحسن معها حياتهم.

القضية لم تعد فقط هل تستطيع إيران الصمود. السؤال الآن: هل يستطيع ترامب الصمود أمام حربه هو؟ هل يستطيع أن يدخل انتخابات التجديد النصفي وهو يحمل ارتفاع الوقود، وتعطل هرمز، وفشل وقف النار، وتهديدات لا تتحول إلى إنجازات؟ وهل يتحول ملف إيران مرة أخرى إلى لعنة انتخابية لرئيس أمريكي ظن أن القوة وحدها تكفي لكسر طهران؟

ما يكشفه التحليل أن ترامب ليس سيد المشهد كما يحب أن يظهر. هو رئيس محاصر بنتائج قراره، عالق بين حرب لا يريد الاعتراف بخسارتها وتسوية لا يستطيع بيعها كنصر. أما إيران، التي تعلمت من تاريخها مع واشنطن، فتنتظر، وتضغط، وتتركه يواجه الناخب الأمريكي مع فاتورة حربه على المضيق، وفي محطات الوقود، وفي أسعار المعيشة.

ترامب أراد حربًا تمنحه صورة القائد القوي. لكنه يدخل الانتخابات بصورة مختلفة تمامًا: رئيس يصرخ، يهدد، ينكر، ثم يكتشف أن الخصم الذي استهان به لا يملك فقط الصواريخ والمضيق، بل يملك الوقت أيضًا.