“زلزال سياسي”.. حزب البديل لأجل ألمانيا (AfD) يصعد وإسرائيل في مأزق

في تحول خطير، شهدت ألمانيا صعودًا غير مسبوق لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف، محققًا المركز الثاني في الانتخابات الأخيرة بنسبة تجاوزت 20% من الأصوات، في خطوة هزّت المشهد السياسي الأوروبي وأثارت قلقًا واسعًا داخل إسرائيل والجاليات اليهودية. هذا الصعود المفاجئ دفع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى مباركته، معتبرًا أن ألمانيا “عادت إلى رشدها”.

لكن المفارقة الأبرز أن هذا الصعود الذي حظي بدعم ترامب، واجه قلقا عميقا داخل الكيان الإسرائيلي الذي ينظر إلى الحزب بخوف شديد، فصحيح أن AfD يقدّم نفسه كحليف للدولة العبرية في مواجهة المسلمين والمهاجرين، لكن الصهاينة يدركون أنه يحمل إرثًا يمينيًا قوميًا يستلهم أفكار النازية الجديدة ويتبنى مواقف تقلّل من شأن المحرقة.

إسرائيل في مأزق..

لا تخفي إسرائيل قلقها من هذا التحول ويظهر هذا في التقارير الصحفية الإسرائيلية، ورغم أن بعض قيادات AfD حاولت مغازلة الكيان الصهيوني عبر تصريحات مؤيدة له، لكن ماض الحزب واللغة المزدوجة التي يستخدمها جعلت المسؤولين الإسرائيليين في حيرة.

فبعد أن صرح تينو تشروبالا، أحد زعماء الحزب، بأن على ألمانيا “إعادة النظر” في علاقتها مع إسرائيل ووقف إمدادها بالأسلحة، وجدت حكومة الاحتلال نفسها أمام معضلة حقيقية: هل تستمر في التعامل مع ألمانيا كحليف استراتيجي في ظل صعود هذا الحزب؟

اليهود في ألمانيا يشعرون بالرعب.. هل تعود النازية؟

 الجالية اليهودية في ألمانيا، كانت ردة فعلها أكثر قلقا. رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، جوزيف شوستر، وصف النتائج بـ”الصادمة”، محذرًا من أن هذا الحزب يحمل في طياته أجندة قومية متطرفة تعيد ألمانيا إلى أجواء الثلاثينيات.

فخلال السنوات الماضية، شهد الحزب سلسلة من التصريحات التي قللت من شأن جرائم النازية، أبرزها تصريح زعيمه السابق ألكسندر جاولاند الذي وصف حقبة هتلر بأنها مجرد “بقعة صغيرة في تاريخ ألمانيا العظيم”، وتصريح بيورن هوكه الذي دعا إلى إعادة كتابة التاريخ الألماني والتركيز على ضحايا الألمان بدلاً من اليهود.

ترامب معاد للسامية

ترامب الذي يقدمه قادة الاحتلال على أنه الحليف الأقوى له، لم يخف دعمه لحزب AfD  فالرئيس الأمريكي لطالما أبدى إعجابه بالقوميين المتطرفين في أوروبا، من فيكتور أوربان في المجر إلى مارين لوبان في فرنسا. لكن الأخطر من ذلك هو الكشف الذي ورد في كتاب الصحفي الشهير بوب وودوارد، والذي أكد فيه أن ترامب يحمل في داخله نزعات معادية للسامية رغم محاولاته إخفاء ذلك.

وودوارد، الذي أجرى مقابلات مع كبار مساعدي ترامب، كشف أن الرئيس السابق أدلى مرارًا بتعليقات تتسم بازدراء اليهود، ووصفهم بأنهم “موالون لأنفسهم فقط”، معتبرًا أن الإسرائيليين “ماكرون جدًا” في تعاملهم مع الولايات المتحدة. هذه التصريحات تعزز مخاوف الجالية اليهودية من أن الدعم الذي يقدمه ترامب لليمين المتطرف ليس مجرد صدفة، بل انعكاس لرؤية أيديولوجية ترى في القومية البيضاء أداة للهيمنة العالمية، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الحلفاء التقليديين كإسرائيل.

هل يتأثر الدعم العسكري لتل أبيب؟

السؤال الأهم الآن: هل يؤدي صعود AfD إلى تغيير جذري في سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل؟ حتى الآن، لم تُظهر الحكومة الألمانية أي مؤشر على تغيير موقفها الرسمي، وقد سارع المستشار أولاف شولتس إلى التأكيد على “التزام برلين غير المشروط بأمن إسرائيل”. لكن مع ازدياد نفوذ AfD، قد تبدأ الموازين بالتغير تدريجيًا، خاصة مع الخطاب الذي بدأ يروج له الحزب حول ضرورة إنهاء “عقدة الذنب” الألمانية تجاه اليهود وإعادة توجيه السياسة الخارجية نحو المصالح الوطنية الألمانية فقط.

 هل بدأت إسرائيل تدفع ثمن صعود اليمين الذي رعته؟

لأعوام طويلة، دعمت إسرائيل صعود التيارات اليمينية في أوروبا، باعتبارها حليفًا طبيعيًا في مواجهة المسلمين والمهاجرين. لكن الآن، يبدو أن هذه الاستراتيجية بدأت تنقلب عليها. فحزب البديل من أجل ألمانيا، رغم محاولاته التودد لإسرائيل ظاهريا، يحمل في داخله بذور معاداة لعقد الذنب التاريخية، التي تهدد الجالية اليهودية في ألمانيا وتضع علاقات التبعية والحماية في مهب الريح.

أما ترامب، الذي يواصل تقديم نفسه كزعيم عالمي لليمين المتطرف، فهو لا يرى في هذه التحولات سوى انتصار جديد لمشروعه القومي، غير مكترث بالمخاوف الإسرائيلية أو اليهودية.

فهل تكون هذه مجرد بداية لموجة جديدة من القومية المتطرفة التي قد تمتد إلى دول أوروبية أخرى، فتجد إسرائيل نفسها معزولة أمام حلفاء كانوا في الأمس القريب أصدقاءها؟ لكن من المؤكد أن الخريطة السياسية الدولية والمشهد العالمي بات أكثر تعقيدًا مما كان يتوقعه الكيان الصهيوني.