في تصريحات جديدة مثيرة للجدل، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليلعب دور المحرض على جرائم الاحتلال الإسرائيلي، داعياً إلى احتلال وتدمير ما تبقى من مدينة غزة، بزعم أن ذلك “سيجعل الرهائن الإسرائيليين أكثر أماناً”.
هذه الكلمات لم تكن مجرد موقف سياسي، بل جاءت كغطاء إضافي لإسرائيل في استمرار حربها الإبادية التي دخلت شهرها الحادي عشر، مخلفة عشرات آلاف القتلى والمصابين وسط صمت دولي خانع.

خطاب ترامب: تبرير الإبادة تحت شعار “إنقاذ الرهائن”
ترامب قال صراحة إن “الرهائن سيكونون في أمان أكثر إذا دخل الجيش الإسرائيلي إلى غزة”، مستعيداً نبرة التحدي التي لطالما اتسم بها خطابه السياسي، ومقدماً نفسه مرة أخرى كحليف لا يتردد في دعم الاحتلال بلا قيد أو شرط.
وادعى أنه لعب دوراً سابقاً في إعادة بعض الأسرى من غزة بفضل تعاونه مع بنيامين نتنياهو، في محاولة لإظهار نفسه كقائد قادر على إدارة الملفات المعقدة.
لكن خلف هذه التصريحات، يكمن تناقض صارخ: فكيف يمكن أن يكون المحتجزون “آمنين” تحت قصف عشوائي يدمّر أحياء بأكملها، ويقتل المدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء؟ الإجابة واضحة، وهي أن ترامب لا يتحدث بلغة السياسة الواقعية بقدر ما يعكس رؤية يمينية متطرفة ترى في الفلسطينيين مجرد “أرقام” قابلة للإبادة من أجل أهداف سياسية إسرائيلية وأمريكية.
إسرائيل تتبنى الخطط: سياسة الأرض المحروقة
بالتوازي مع خطاب ترامب، أعلن وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس المصادقة على خطط عسكرية لاحتلال مدينة غزة. الخطة، بحسب بيانه، تشمل قصفاً مكثفاً، إجلاء السكان قسراً، ومناورات عسكرية واسعة، أي تكرار سيناريو رفح وبيت حانون لكن على نطاق أشمل. وهدد كاتس صراحة: “قريباً ستفتح أبواب الجحيم على غزة”، مؤكداً أن الاحتلال لن يتوقف إلا بشروطه، وعلى رأسها إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين ونزع سلاح المقاومة.
بهذا، يتضح أن التوجه الإسرائيلي نحو إبادة غزة لم يعد مجرد خيار عسكري، بل قرار سياسي مدعوم أمريكياً، يجد في تصريحات ترامب ما يشبه “إجازة دولية” لمواصلة القتل.
جرائم موثقة: أرقام الإبادة الجماعية
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتكب الاحتلال مجازر وصفتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بأنها إبادة جماعية مكتملة الأركان. الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة:
- 62,192 شهيداً، معظمهم من النساء والأطفال.
- 157,114 مصاباً، كثير منهم بإصابات بتر وتشوهات دائمة.
- أكثر من 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض.
- مجاعة أزهقت أرواح 271 فلسطينياً، بينهم 112 طفلاً، بسبب الحصار ومنع الغذاء والدواء.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شهادات على جرائم حرب ممنهجة، يتحمل ترامب ومسؤولو الاحتلال مسؤولية سياسية وأخلاقية عنها. فالتواطؤ الأمريكي لم يقتصر على الدعم العسكري والمالي، بل امتد إلى التحريض العلني على القتل والتدمير كما ظهر في تصريحات ترامب.
تداعيات دولية: بين العزلة والازدواجية
تصريحات ترامب تضع الولايات المتحدة أمام مأزق أخلاقي جديد، فبينما تدّعي واشنطن أنها “تسعى للإفراج عن الرهائن”، فإنها عملياً تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لارتكاب المزيد من الفظائع.
هذا التناقض يضعف صورة أمريكا كقوة عظمى ويزيد من عزلتها الدولية، خاصة أمام محكمة العدل الدولية التي طالبت بوقف الإبادة، وأمام الرأي العام العالمي الذي خرج بمظاهرات حاشدة في العواصم الغربية تضامناً مع غزة.
وفي الوقت ذاته، تكشف هذه التصريحات حجم التماهي بين الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي، إذ لم يعد الاحتلال بحاجة لابتكار مبررات جديدة لجرائمه، ما دام يجد في شخصيات مثل ترامب صوتاً داعماً ومؤيداً، بل ومحرّضاً.
قراءة مستقبلية: ما وراء تحريض ترامب
من منظور سياسي، يمكن قراءة موقف ترامب على أنه محاولة لاستثمار دماء الفلسطينيين في معركته الانتخابية المقبلة، إذ يدرك أن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا يشكل قوة ضغط كبرى. بتبنيه خطاباً أكثر تشدداً من إدارة بايدن، يراهن ترامب على استمالة أصوات الناخبين الموالين لإسرائيل، حتى لو كان الثمن هو شرعنة إبادة شعب بأكمله.
لكن مثل هذه التصريحات قد ترتد سلباً على الاستقرار الإقليمي، إذ أن احتلال غزة الكامل يعني مواجهة مفتوحة مع المقاومة الفلسطينية، واحتمال امتداد الحرب إلى جبهات أخرى مثل لبنان أو اليمن، مما قد يجر المنطقة إلى فوضى عارمة.
خلاصة
تحريض ترامب على احتلال غزة يكشف بوضوح إجراماً سياسياً مزدوجاً: من جهة، هو تبييض لجرائم الاحتلال الإسرائيلي وتبرير لإبادة جماعية موثقة، ومن جهة أخرى هو استغلال دموي للملف الفلسطيني.
وبموازاة هذا التحريض، يواصل الاحتلال تنفيذ خطط الأرض المحروقة، ضارباً عرض الحائط بكل القوانين الدولية.
ما يجري اليوم في غزة لم يعد مجرد حرب بين جيش ومقاومة، بل هو امتحان أخلاقي للعالم بأسره: هل يقبل أن تتحول مدينة كاملة إلى أنقاض تحت مبررات “أمن الرهائن”؟ أم سيقف في وجه إجرام ترامب والاحتلال قبل أن تبتلع النار المنطقة كلها؟
اقرأ أيضًا : ماكرون يكسر صمته: معركتي دفاعًا عن الشرف والحقيقة