يكشف تحليل نشرته صحيفة الغارديان للكاتب رافائيل بير أن حرب ترامب على إيران لم تعد مجرد أزمة عسكرية في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى علامة أوسع على تراجع الهيبة الأمريكية وانكشاف حدود سياسة الغطرسة والتهديد. فالرئيس الذي دخل الحرب مدفوعًا بوهم الانتصار السريع، ومقتنعًا بأن القوة الأمريكية كافية لإخضاع طهران وفرض شروط واشنطن عليها، يجد نفسه اليوم أمام واقع معاكس تمامًا: إيران لم تنهَر، الحرب لم تنتهِ، الاقتصاد الأمريكي يتأثر، الذخائر الأمريكية تُستنزف، والحلفاء من الخليج إلى أوروبا وكندا وكوريا الجنوبية يتعاملون مع واشنطن في عهد ترامب بوصفها مصدر خطر لا ضمانة حماية.
يرى التحليل أن الولايات المتحدة لا تزال، من حيث القوة المجردة، أغنى دولة في العالم وأكثرها تسليحًا، وأن ترامب يتمتع داخل بلاده بسلطات واسعة، خاصة مع كونغرس خاضع ومتردد في محاسبته. لكن المفارقة أن امتلاك كل هذه الأدوات لم يمنع الرئيس الأمريكي من الظهور بمظهر العاجز والمأزوم. فالفشل هنا ليس بسبب نقص القوة، بل بسبب سوء استخدامها؛ ترامب يملك القوة لكنه لا يملك الاستراتيجية، يملك أدوات الضغط لكنه يستنزفها بلا رؤية، ويملك شبكة تحالفات تاريخية لكنه يحرقها تباعًا بسلوك يقوم على الابتزاز والإهانة وسوء التقدير.
بدأت حرب إيران، وفق التحليل، من غرور سياسي وعسكري. بعد عملية جريئة ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، صدّق ترامب أن نموذج الانتصار السريع يمكن تكراره في الشرق الأوسط، وأن النظام في طهران يمكن “قطع رأسه” بسرعة، لتصبح موارد إيران النفطية والغازية متاحة للاستغلال الأمريكي. لكن بعد ستة أشهر، لم يتحقق هذا السيناريو. بدلًا من الانهيار، باتت إيران تحت سيطرة جيل أكثر تشددًا، خرج من تحت القصف الأمريكي والإسرائيلي أكثر صلابة، وصار يطالب واشنطن بتنازلات مالية كجزء من ثمن السلام، بما في ذلك تعويضات وحق فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز.
بهذا المعنى، لم تنتهِ الحرب، بل تحولت إلى حرب باردة مفتوحة. ترامب يراهن على أن الاقتصاد الإيراني هش وقريب من الانهيار، ويهدد بعقوبات “يوم الحسم”، في محاولة لتسويق جولة جديدة من الإكراه المالي وكأنها عملية عسكرية كاسحة. لكن المشكلة أن العقوبات السابقة لم تكسر إيران، وأن معاناة الإيرانيين العاديين، رغم قسوتها، لا تتحول بسهولة إلى ضغط سياسي قادر على إسقاط النظام بسبب القمع الداخلي. في المقابل، المواطن الأمريكي لا يعيش تحت نظام يمنعه من التعبير عبر صناديق الاقتراع، وهو يرى أثر الحرب في الأسعار والتضخم وتكاليف المعيشة، بينما لا يفهم أصلًا لماذا دخلت بلاده هذه الحرب ولا ماذا ربحت منها.
هنا تراهن طهران على نقطة ضعف ترامب الحقيقية: الداخل الأمريكي. فحساب القيادة الإيرانية، كما يعرضه التحليل، يقوم على أن تحمل الأمريكيين للألم الاقتصادي محدود، وأن اقتراب انتخابات التجديد النصفي سيجعل ترامب أكثر حاجة إلى إعلان أي نصر، حتى لو كان نصرًا شكليًا يخفي هزيمة سياسية. ترامب لا يتحرك بمنطق الاستراتيجية طويلة المدى، بل بمنطق الصورة الانتخابية، ولذلك قد يندفع إلى قبول تسوية متواضعة إذا أمكن بيعها لجمهوره باعتبارها “إنجازًا”، حتى لو كانت في جوهرها تراجعًا عن أهداف الحرب الأولى.
لكن خيارات ترامب العسكرية نفسها لم تعد مفتوحة كما كانت. فالتحليل يشير إلى أن البنتاغون لا يستطيع العودة بسهولة إلى خيار الحرب الشاملة، حتى لو أمر ترامب بذلك، لأن العملية العسكرية ضد إيران استنزفت جزءًا كبيرًا من مخزون الذخائر الأمريكي. وهذه النقطة تكشف جوهر الفشل الاستراتيجي: أمريكا خاضت حربًا باهظة التكلفة ضد خصم يستطيع استخدام أدوات أقل كلفة بكثير لإرباكها وإرباك حلفائها. إيران تستطيع تهديد الملاحة في الخليج بألغام أو طائرات مسيّرة رخيصة تُطلق من منصات متحركة يصعب استهدافها، بينما تستخدم واشنطن وحلفاؤها صواريخ اعتراض باتريوت تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات.
هذا الاختلال في التكلفة ليس تفصيلًا عسكريًا، بل أحد مفاتيح الهزيمة السياسية. فإيران لا تحتاج إلى هزيمة الجيش الأمريكي في معركة تقليدية كي تربح. يكفي أن تجعل استمرار الحرب مكلفًا، وأن تجعل حماية القوات الأمريكية وحلفاء واشنطن عملية استنزاف طويلة. وبحسب الأرقام الواردة في التحليل، أُطلق أكثر من 1500 صاروخ باتريوت خلال الحرب، ما ترك المخزون الأمريكي عند مستويات خطيرة. وهكذا تتحول الحرب من استعراض قوة إلى نزيف للقدرة، ومن محاولة لإخضاع إيران إلى اختبار عالمي لقدرة واشنطن على إدارة أكثر من أزمة في وقت واحد.
تظهر آثار هذا الاستنزاف خارج الشرق الأوسط أيضًا، وخاصة في أوكرانيا. فالذخائر المتقدمة ومنظومات الاعتراض الأمريكية ليست مهمة فقط لحماية القوات الأمريكية في الخليج، بل ضرورية كذلك لحماية المدنيين الأوكرانيين من الصواريخ الروسية المتطورة. عندما تُستهلك هذه المنظومات في حرب ترامب مع إيران، تتأثر قدرة واشنطن على دعم كييف. وبذلك، فإن الرئيس الذي أراد استعراض القوة في الشرق الأوسط فتح ثغرة في جبهة أخرى أمام روسيا، وجعل أوكرانيا تدفع جزءًا من ثمن مغامرته الإيرانية.
أما علاقة ترامب بأوروبا، فيعرضها التحليل بوصفها مثالًا على كيف يحوّل الرئيس الأمريكي ما يمكن أن يكون نجاحًا دبلوماسيًا إلى أزمة ثقة. لو كان ترامب استخدم الدبلوماسية الطبيعية لدفع الأوروبيين إلى تمويل دفاعهم وتحمل نصيب أكبر من حماية جناحهم الشرقي، لكان ذلك إنجازًا محسوبًا له. لكن طريقته القائمة على الإهانة، والإعجاب الساذج بفلاديمير بوتين، والمطالب العبثية مثل الحديث عن غرينلاند، جعلت التوجه الأوروبي نحو الاستقلال الدفاعي يبدو أقل كونه تقاسمًا للأعباء، وأكثر كونه تحوطًا من غدر أمريكي محتمل.
بهذا المعنى، أوروبا لا تتحرك لأنها تثق بترامب، بل لأنها لم تعد تثق به. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالمشكلة لم تعد في خلاف تكتيكي بين واشنطن وبروكسل، بل في اهتزاز الفكرة نفسها التي حكمت العلاقة عبر الأطلسي لعقود: أن الولايات المتحدة حليف يمكن الاعتماد عليه في لحظات الخطر. تحت ترامب، صار الحليف الأمريكي يتصرف كطرف متقلب، قد يبتزك اليوم، يمدح خصمك غدًا، ثم يطالبك بدفع الفاتورة بعد أن يكون قد ورطك في أزمة لم تخترها.
والخليج ليس بعيدًا عن هذا المشهد، بل يقع في قلبه. فدول الخليج التي استضافت القواعد الأمريكية لعقود، وعملت كواجهات وحلفاء ووكلاء للمصالح الأمريكية في المنطقة، وجدت نفسها على خط النار في حرب لم تبدأها ولم تكن تريدها. كانت تتوقع مظلة حماية موثوقة بعد سنوات طويلة من خدمة الاستراتيجية الأمريكية، لكنها خرجت بإحساس أعمق بأنها تُستخدم ولا تُكافأ، وأن واشنطن قد تشعل الحرب ثم تترك حلفاءها يدفعون كلفة الرد الإيراني، بينما تنشغل هي بإدارة تداعياتها الانتخابية والاقتصادية.
هذه النقطة تخدم قراءة أوسع لطبيعة التحالفات الأمريكية في عهد ترامب. فهو لا يحرق خصومه فقط، بل يحرق الحلفاء أيضًا. الخليج شعر بأنه مكشوف أمام تداعيات حرب لم يتحكم في قرارها. أوروبا بدأت تبني خياراتها بعيدًا عن الثقة المطلقة بواشنطن. أوكرانيا تخشى أن يستنزف الشرق الأوسط ما تحتاجه في مواجهة روسيا. وكوريا الجنوبية تلقت هي الأخرى إشارة مربكة عندما اختصر ترامب مناورات عسكرية مشتركة معها، وقدم ذلك كلفتة ودية تجاه كيم جونغ أون، واصفًا نظام كوريا الشمالية بأنه “غير مهدد ومحترم”، في وقت يتعامل فيه بفظاظة مع ديمقراطيات حليفة.
المفارقة الأكثر فجاجة تظهر في تعامل ترامب مع كندا. فالرئيس الأمريكي الذي يغدق عبارات الود على ديكتاتوريات مثل كوريا الشمالية، يتعامل مع كندا، وهي دولة ديمقراطية وجارة وحليفة تقليدية، باحتقار واضح، ويصفها عمليًا كأنها كيان ناقص السيادة أو ولاية أمريكية مفترضة. وعندما انسحب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من محادثات تجارية بسبب مطالب أمريكية غير معقولة في اللحظة الأخيرة، رد ترامب بفرض رسوم عقابية، لترد كندا بالتلويح بإجراءات انتقامية مماثلة. صحيح أن الاقتصاد الأصغر غالبًا سيدفع ثمنًا أكبر في حرب تجارية، لكن كارني يدرك أن الخضوع لترامب لا ينهي الابتزاز، بل يشجعه على طلب المزيد.
هكذا يصبح ترامب، وفق التحليل، رئيسًا يستنزف ذخائره الدبلوماسية كما يستنزف ذخائره العسكرية. لم يعد لديه أصدقاء كثيرون يمكنه إحراقهم، لأنه أحرق ثقة أغلبهم بالفعل. الحليف الذي يمنحه تنازلًا لا يحصل على استقرار، بل على طلب جديد. والدولة التي تستضيف قواعده لا تضمن حمايته. والشريك التجاري لا يُعامل كحليف، بل كخصم قابل للابتزاز. حتى المؤسسات الأمريكية نفسها تبدو أمام اختبار داخلي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إذ قد تؤدي خسارة الجمهوريين إلى إحياء جزئي لآليات الرقابة على رئيس اعتاد الحكم كأنه فوق المحاسبة.
يشير التحليل إلى أن ترامب لن يتأدب بسهولة بنتائج انتخابية سيئة، فهو يميل إلى إنكار شرعية النتائج التي لا تعجبه. لكن الهزيمة الواضحة في صناديق الاقتراع قد تكسر شيئًا من سحر الإفلات من العقاب، وقد تدفع بعض الجمهوريين إلى الخروج من حالة الطاعة المذهولة لرئيس جعل حزبهم أقل شعبية وترك بلدهم أقل احترامًا وأكثر عزلة. فأسطورة ترامب كقوة لا تُقهر بدأت تتآكل، وما كان يُقدّم كحركة سياسية كاسحة صار يبدو أقرب إلى زمرة انتفاعية تستخدم السلطة لجمع المكاسب قبل أن ينفد الوقت.
ولا يعني ذلك أن ترامب انتهى أو لم يعد خطرًا. على العكس، يؤكد التحليل أن الرئيس لا يزال قادرًا على إحداث ضرر كبير ما دام ممسكًا بمفاتيح القوة الأمريكية. لكنه لم يعد يملك الهالة القديمة نفسها. العالم تعلم قراءة اندفاعاته، وتوقع تقلباته، والمناورة حول نوبات غضبه. مرحلة الخضوع التلقائي لترامب تراجعت، وبدأت الدول تفكر في ما بعده، أو على الأقل في كيفية تقليل خسائرها خلال ما تبقى من عهده.
ما تكشفه حرب إيران، إذن، ليس فشلًا عسكريًا منفصلًا، بل فشل نموذج كامل في السياسة الخارجية الأمريكية كما يمارسه ترامب. نموذج يقوم على الاعتقاد بأن التهديد يكفي، وأن العقوبات تكفي، وأن الحلفاء سيبقون مطيعين مهما أُهينوا، وأن الخصوم سينهارون بمجرد أن يرفع الرئيس الأمريكي صوته. لكن الواقع كشف العكس: إيران لم تنكسر، الحلفاء لم يعودوا يثقون، الاقتصاد يتأثر، الذخائر تُستنزف، والناخب الأمريكي يرى فاتورة الحرب في حياته اليومية.
في النهاية، ترامب أراد أن يظهر كرئيس قوي يفرض إرادته على العالم، فإذا به يظهر كرئيس يبدد رصيد القوة الأمريكية. دخل حرب إيران بوهم النصر السريع، فوجد نفسه أمام خصم يعرف كيف يطيل الاستنزاف، وحلفاء يتعلمون كيف يبتعدون عن واشنطن، وداخل أمريكي يقترب من محاسبته انتخابيًا. هذه ليست لحظة انتصار أمريكي، بل لحظة انكشاف. فالبلطجة قد تصنع ضجيجًا، لكنها لا تصنع استراتيجية، والعنجهية قد تخيف للحظة، لكنها لا تبني تحالفات. أما ترامب، الذي ظن أن العالم سيبقى يدور حول غضبه وتهديداته، فيجد نفسه اليوم في ضوء نجم آفل: لا يزال خطرًا، لكنه لم يعد يبدو لا يُقهر.