في تحول لافت في لهجته السياسية، لمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية تغيير النظام في إيران، بعد أيام من الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية. 

وبينما شدد على أن استخدام تعبير “تغيير النظام” قد لا يكون صائبًا سياسيًا، إلا أن طرحه لهذا السؤال علنًا أعاد النقاش حول الأهداف الحقيقية لواشنطن في صراعها مع طهران، ودفع المراقبين للتساؤل عمّا إذا كان التصعيد العسكري مقدمة لتغيير جذري في إيران، أم مجرد ضغط تكتيكي في مرحلة تفاوضية حرجة.

 

أولاً: تصريحات ترامب.. تصعيد بالكلمات أم خطة مدروسة؟

تصريحات ترامب جاءت خلال مؤتمر صحفي أعقب الضربات التي نفذتها القوات الأمريكية على مواقع نووية إيرانية، حيث قال بشكل مباشر: “إذا كان النظام الإيراني الحالي عاجزًا عن جعل إيران عظيمة مجددًا، فلماذا لا يكون هناك تغيير للنظام؟”، متبعًا ذلك بتأكيد أن “عبارة تغيير النظام ليست صائبة سياسيًا”.

هذه اللهجة، وإن جاءت مبطنة، أعادت إلى الأذهان تصريحات سابقة لمسؤولين أمريكيين في الإدارات الجمهورية، وتحديدًا خلال حكم جورج بوش الابن، عندما اعتُبرت إيران جزءًا من “محور الشر”. لكنها تتناقض مع التصريحات الرسمية الأمريكية التي تؤكد على أن واشنطن لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى ردعه ومنعه من تطوير سلاح نووي.

ويبدو أن ترامب، الذي يسعى للظهور بموقف القوة بعد الضربات الأخيرة، يخلط بين الضغط الدبلوماسي والتهديد غير المباشر بإعادة تشكيل الخريطة السياسية في طهران، خاصة مع تلويحه -بحسب مصادر إعلامية- باستهداف شخصيات في قمة الهرم السياسي الإيراني، ومن بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

التحذير الأمريكي والردع الاستباقي

في الوقت نفسه، أرسلت الإدارة الأمريكية رسائل شديدة اللهجة لإيران تحذر فيها من مغبة الرد على الضربات. فقد أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، أن “أي رد من قبل إيران سيكون خيارًا سيئًا للغاية، وسنتعامل معه بحزم”، بينما اعتبر وزير الخارجية ماركو روبيو أن “الرد الإيراني سيكون أكبر خطأ ترتكبه طهران على الإطلاق”.

الرسائل الأمريكية حملت نبرة مزدوجة: فهي من جهة تؤكد أن إسقاط النظام ليس هدفًا مباشرًا، لكنها في الوقت نفسه تضع كل الخيارات على الطاولة وتربط مصير النظام الإيراني برد فعله. وهذا بحد ذاته يعكس سياسة الضغط الأقصى التي انتهجها ترامب منذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، والتي تتدرج بين العقوبات والردع العسكري، وصولًا إلى سيناريوهات أكثر تطرفًا لم يتم التصريح بها علنًا حتى الآن.

المواقف الدولية.. أوروبا وروسيا ترفضان تغيير النظام

بالتزامن مع التصعيد الأمريكي، برزت مواقف دولية متحفظة على فكرة تغيير النظام الإيراني بالقوة. فقد اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذا المسار سيكون “خطأ إستراتيجيًا”، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران، والعودة إلى طاولة التفاوض. 

ماكرون قال صراحة إن حماية المدنيين في كلا البلدين هي الأولوية، وإن أوروبا مستعدة للمشاركة في مفاوضات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني إذا تم تثبيت وقف إطلاق النار.

من جانبه، رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التساؤلات حول احتمال تغيير النظام في إيران، مؤكدًا أن “الشعب الإيراني متحد حول قيادته”، في إشارة إلى رفض موسكو لأي تدخل خارجي في الشأن الإيراني.

تؤشر هذه المواقف إلى وجود خلاف عميق بين واشنطن وحلفائها التقليديين في أوروبا، وكذلك مع القوى الدولية الكبرى كروسيا، حول كيفية التعامل مع إيران. إذ تخشى هذه الدول من أن يؤدي إسقاط النظام الإيراني إلى فراغ سياسي وأمني قد يفوق في خطورته ما حدث في العراق أو ليبيا.

ختامًا: هل يخطط ترامب فعلاً لتغيير النظام؟

في ضوء هذا المشهد المعقد، لا يمكن الجزم بنوايا الإدارة الأمريكية الحقيقية، فبينما تتحدث التصريحات الرسمية عن الردع والدفاع، فإن اللهجة المتصاعدة لترامب تشير إلى أنه قد يكون منفتحًا على خيارات أكثر جذرية في حال استمرت طهران في سياساتها المعادية أو حاولت الرد على الضربات.

إلا أن تغيير النظام في إيران ليس خطوة سهلة، فالنظام الإيراني يتمتع بتركيبة أمنية وعسكرية معقدة، وتحالفات إقليمية راسخة، ولا يزال يتمتع بقاعدة شعبية في بعض الأوساط، فضلًا عن أن أي تدخل عسكري مباشر لإسقاط النظام قد يدخل المنطقة في فوضى شاملة.

بالتالي، يبدو أن حديث ترامب عن تغيير النظام هو جزء من حرب نفسية تهدف إلى تعزيز الردع، وإبقاء خصومه في حالة قلق دائم، أكثر مما هو إعلان فعلي لخطة جاهزة.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يقود التصعيد الحالي إلى مفاوضات جديدة تُبقي النظام وتمنع السلاح النووي؟ أم أن ترامب يستعد لكتابة فصل جديد في سجل التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط؟

اقرأ أيضًا : إيران تُدخل “خيبر” على خط المواجهة مع الاحتلال: صاروخ تدميري يغيّر قواعد الاشتباك