ما يجري في الولايات المتحدة اليوم لم يعد مجرد حملة سياسية أو هجمة مؤقتة تستهدف مجموعة من النشطاء، بل أصبح توجّهًا سلطويًا منظّمًا يهدد الجوهر الحقيقي للديمقراطية الأمريكية ويُعيد تعريفها بمنطق البطش لا بمنطق القانون. إدارة دونالد ترامب، في ولايته الثانية، اختارت أن تسحق الرأي الآخر لا أن تتعامل معه، وأن تُسكت الصوت الحر لا أن تحاوره. أصبحت حرية التعبير والديموقراطية التي تتغنى بها أمريكا – في خطر، وأصبح كل من يتجرأ على انتقاد سياسات الاحتلال الإسرائيلي -حليف الإدارات الأمريكية التاريخي- عرضة للملاحقة، حتى وإن لم يحمل سوى قلمًا أو هاتفًا وضميرًا حيًا.
في الأسابيع الماضية، شهدت الساحة الأكاديمية الأمريكية واحدة من أوسع الحملات القمعية في تاريخ البلاد الحديث. طلاب وأكاديميون تم اعتقالهم أو تهديدهم بالترحيل، ليس لأنهم تورطوا في عنف أو خرقوا قوانين، بل لأنهم شاركوا في احتجاجات سلمية أو كتبوا مقالات تنتقد دعم الإدارة الأمريكية غير المحدود لإسرائيل في حربها على غزة. رميساء أوزتورك، طالبة دكتوراه تركية في جامعة تافتس، اختُطفت في الشارع من قبل عناصر بملابس مدنية وملثمون في سيارة مدنية، في مشهد أقرب إلى العصابات منه إلى دولة تدّعي أنها مهد الديمقراطية، وجريمتها؟ أنها شاركت في مقال طالب جامعتها بالتخلي عن الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل. جُرّدت من تأشيرتها القانونية وسُحبت إلى مركز احتجاز بعيد عن مكان سكنها لأكثر من 2000 كيلومترًا، من دون أي اتهام صريح، ومن دون إجراءات قانونية عادلة.
ومثلها محمود خليل، الفلسطيني الحاصل على البطاقة الخضراء، والذي اعتُقل لمجرد تعبيره عن دعمه لغزة، ومهدد الآن بالترحيل، وقام مؤيدوا ترامب بشن حملة شرسة ضد زوجته طبيبة الأسنان الأمريكية مطالبين بخطف ابنهما فور ولادته. وبادار خان سوري، الباحث الهندي في جامعة جورجتاون، ألقي القبض عليه لأنه شارك في نشاطات سياسية سلمية، والكورية يونسيو تشونغ، الطالبة التي نشأت في الولايات المتحدة منذ طفولتها، لكنها لم تسلم من تهديدات الترحيل بسبب مواقفها الإنسانية تجاه الفلسطينيين. هذه الحالات لم تكن استثناءات، بل تمثل رأس جبل جليدي لحملة منظمة تستهدف إخماد أي صوت يرفض الرواية الرسمية لإسرائيل.
لم تتوقف بلطجة إدارة ترامب عند الاعتقالات والترحيلات، بل تجاوزتها إلى مستوى أكثر انحدارًا وانتهاكًا، عبر حملات تحريض ممنهجة تمارس علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي. إحدى أكثر الحوادث خطورة تمثّلت في قيام مؤسسة مكافحة معاداة السامية بنشر أسماء وعناوين وأرقام هواتف طلاب جامعيين مسؤولين عن تنظيم فعاليات لدعم فلسطين، تحديدًا في الجامعات التي شهدت مظاهرات واحتجاجات ضد دعم أمريكا لإسرائيل في عدوانها على غزة. نشر البيانات الشخصية لهؤلاء الطلاب في سياق تعبوي وتحريضي مكشوف يُعد دعوة مبطنة للعنف ضدهم، ويعرّض حياتهم للخطر، ويمنح الضوء الأخضر للمتطرفين لاستهدافهم فردًا فردًا، سواء بالتهديد أو حتى بالاعتداء الجسدي. هذا السلوك لا ينتمي إلى دولة تحترم الحريات، بل إلى أنظمة بوليسية تعتبر كل معارض عدوًا يجب فضحه وتدميره.
وامتدت الحملة لتشمل المؤسسات الأكاديمية نفسها؛ جامعة كولومبيا، إحدى أعرق الجامعات الأمريكية، تعرضت لابتزاز سياسي وقح من قبل إدارة ترامب التي أوقفت عنها تمويلًا فدراليًا ضخمًا بقيمة 400 مليون دولار، وأجبرتها على إجراء تغييرات بنيوية في إدارتها وبرامجها الأكاديمية. طُلب منها إخضاع قسم دراسات الشرق الأوسط إلى “وصاية أكاديمية” كاملة، وكأن صوت طلابها وأساتذتها هو الذي يُمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، وليس المليارات التي تضخها الإدارات الأمريكية من جيوب المواطنين ودافعي الضرائب لصالح دعم وتسليح إسرائيل، بالإضافة لأكثر من 60 جامعة أصبحت الآن تحت مجهر التحقيقات الفيدرالية بتهمة “الفشل في محاربة معاداة السامية”.
بدأت هذه الحملة الشرسة في يناير/كانون الثاني 2025، حين وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا تحت عنوان “مكافحة معاداة السامية”، لكنه في واقع الأمر مجرد وثيقة قمع سياسي تُستخدم لقمع المعارضين وسجن الأصوات الحرة. لم يعد أحد يجرؤ على انتقاد سياسات الاحتلال أو المجازر في غزة دون أن يُصنّف فورًا كـ”داعٍ للكراهية” أو “متطرف” أو حتى “متعاطف مع الإرهاب”. بات كل من يرفع صوته دفاعًا عن حقوق الفلسطينيين مهددًا بالملاحقة، سواءً كان طالبًا، أستاذًا، صحفيًا، أو محاميًا.
أما القضاء، فبدلًا من أن يكون حصنًا لحماية الحريات، يتعرض بدوره لهجمات من ترامب نفسه. القضاة الذين أصدروا أحكامًا توقف عمليات الترحيل، أو علّقوا تنفيذ قرارات قمعية، وُصفوا علنًا بأنهم “خونة” و”يساريون راديكاليون”، وطالب ترامب بإقالتهم. هذا ليس فقط تهديدًا لاستقلالية القضاء، بل هو دعوة صريحة لإسقاط كل التوازنات الدستورية التي يفترض أن تحمي الدولة من تغوّل السلطة التنفيذية.
ووسط كل هذا الخراب، يقف العالم العربي صامتًا، بل أكثر من ذلك: مشاركًا في هذه المهزلة. لم تكتفِ الأنظمة العربية بالتفرّج على الإهانات التي يتعرض لها الطلاب المتضامنون مع شقيقتهم فلسطين في الجامعات الأمريكية، بل سارعت إلى كسب ود إدارة ترامب الجديدة بصفقات مليارية. محمد بن سلمان وقع صفقة أسلحة بقيمة 100 مليون دولار لشراء معدات من الإدارة الأمريكية، بينما الإمارات ضخت استثمارات تصل إلى 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي خلال عشر سنوات. هذه الأموال لا تُستخدم لبناء مستشفيات أو مدارس، بل تُموّل مصانع السلاح التي تدك غزة، وتذهب لشركات التكنولوجيا التي تراقب الطلاب وتطارد الناشطين، وتُقدَّم على طبق من ذهب لإسرائيل لتقوية تفوقها العسكري.
أنظمة تتحدث عن الأخوة والدين، بينما تموّل القتل، وتدير ظهرها للفلسطينيين، وتتعامل مع العدو باعتباره حليفًا وشريكًا. الأنظمة التي تدّعي تمثيل الإسلام والعروبة، تبارك ممارسات ترامب، وتصمت على قمع المسلمين في الجامعات الأمريكية، بل وترى في ذلك “شأنًا داخليًا” لا يجوز التدخل فيه، بينما هي أول من يتدخل في شؤون الآخرين حين تكون المصالح الشخصية في الميزان.
المضحك المبكي أن كل هذه الانتهاكات تُبرَّر تحت راية “مكافحة معاداة السامية”. ما يُسمى “معاداة السامية” أصبح اليوم شماعة لكل من يريد إسكات أي صوت يتحدث عن حقوق الفلسطينيين. انتقاد الاحتلال أصبح جريمة، والحديث عن مجازر غزة يُعامل كما لو كان تحريضًا على العنف. هذا ليس دفاعًا عن اليهود، بل دفاع عن الاستعمار، عن جرائم الحرب، عن حصار شعب، وعن نظام فصل عنصري صارخ. من يدافعون عن “إسرائيل” تحت ذريعة معاداة السامية لا يفعلون سوى حماية القتلة ومنحهم حصانة أخلاقية وسياسية، بينما يُساق الأبرياء إلى الزنازين والطائرات التي تعيدهم إلى بلدانهم كـ”متطرفين”.
الولايات المتحدة لم تعد كما تدّعي؛ لم تعد حصن الحرية ولا معقل الديمقراطية. ما نشهده اليوم هو عملية منهجية لتكميم الأفواه، بإدارة سياسية لا تؤمن بالحوار، ولا تقبل النقد، وتستخدم أدوات الدولة لقمع المعارضين، تمامًا كما تفعل الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا؛ الخطر لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد فكرة الحرية ذاتها، لذلك فإن الصمت في هذه اللحظة تواطؤ، والحياد خيانة للكرامة الإنسانية.