في خطوة لافتة في مسار المفاوضات المتعلقة بقطاع غزة، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أنها تسلمت عبر الوسطاء بعض الأفكار والمقترحات من الطرف الأمريكي للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. 

البيان الصادر عن الحركة لم يرفض هذه المبادرة بشكل مباشر، بل أكد ترحيبه بأي تحرك من شأنه أن يسهم في وقف العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني، مشيراً في الوقت ذاته إلى جملة من الشروط التي تعتبرها الحركة أساساً لأي اتفاق مستقبلي.

ترحيب مشروط واستعداد للتفاوض

بيان حماس شدد على أنها جاهزة “فوراً” للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن على قاعدة واضحة لا لبس فيها: إنهاء الحرب بشكل معلن وصريح، انسحاب كامل من قطاع غزة، وتشكيل لجنة لإدارة القطاع من المستقلين الفلسطينيين تستلم عملها مباشرة.

هذا الموقف يعكس ثبات الحركة على مطالبها الجوهرية التي طرحتها في مفاوضات سابقة، ورفضها للاتفاقات الجزئية أو المرحلية التي تمنح الاحتلال فرصة للمماطلة وإعادة فرض شروط جديدة.

كما ذكّرت الحركة بتجارب سابقة فشلت بسبب تنصل الاحتلال من التزاماته، وآخرها الاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة الشهر الماضي بناءً على مقترح أمريكي، حيث وافقت عليه حماس بينما تجاهلته تل أبيب واستمرت في حربها ومجازرها. هذا التذكير ليس مجرد إشارة إلى الماضي، بل رسالة إلى واشنطن بأن أي اتفاق جديد يحتاج إلى ضمانات صارمة تقي من التلاعب الإسرائيلي المعتاد.

المقترح الأمريكي: بين الضغوط السياسية والتنازلات المحتملة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل على خط الأزمة بلهجة حادة، قائلاً: “هذا تحذيري الأخير. الإسرائيليون وافقوا على شروطي، وحان دور حماس للموافقة”. هذه اللهجة تعكس محاولة البيت الأبيض فرض صيغة تفاوضية ضاغطة، تضع حماس أمام اختبار صعب: إما قبول الصفقة كما هي، أو مواجهة اتهامات برفض “السلام” وإطالة أمد الحرب.

المقترح الأمريكي، وفق ما تسرب من الإعلام العبري، يتضمن تغييرات جوهرية مقارنة بالمبادرات السابقة. ففي اليوم الأول للاتفاق، يجري إطلاق سراح جميع المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية (48 بينهم قتلى)، مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين المحكومين بأحكام عالية وآلاف المعتقلين. كما ينص على وقف عملية “مركبات جدعون 2” التي تهدف لاحتلال مدينة غزة، وفتح مسار تفاوضي بإشراف ترامب شخصياً لإنهاء الحرب.

لكن اللافت أن المقترح يطالب حماس بالاعتماد على “وعود ترامب” بإنهاء الحرب، باعتبار أن الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين سيجعل من الصعب على تل أبيب الاستمرار في القتال. وهذا الشرط يثير شكوك الحركة، إذ أنه يعوّل على “حسن النوايا” الأمريكية والإسرائيلية، بينما خبرة حماس التاريخية مع الطرفين تفضح هشاشة مثل هذه الوعود.

الموقف الإسرائيلي: مناورة جديدة أم جدية تفاوضية؟

مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أعلن أن “تل أبيب تدرس بجدية المقترح الأمريكي”، لكنه في الوقت ذاته اتهم حماس بالاستمرار في “التعنت”. هذا التصريح يعكس استراتيجية نتنياهو المزدوجة: إظهار الانفتاح أمام الضغوط الأمريكية والدولية، مع تحميل حماس مسبقاً مسؤولية فشل أي مفاوضات.

وسائل إعلام عبرية، مثل القناة 12 وهيئة البث الرسمية، روجت لفكرة أن المقترح الأمريكي “ينسجم مع مطالب إسرائيل”، لكن مع تحفظات بأن حماس “قد ترفضه”. هذا التوظيف الإعلامي يهدف بالأساس إلى حشر الحركة في زاوية الرفض، وبالتالي إضفاء شرعية على استمرار العمليات العسكرية.

حماس بين اختبار الضغط والفرصة الدبلوماسية

حماس بدورها تعلن مراراً استعدادها لإبرام صفقة شاملة تضمن إطلاق الأسرى وإنهاء الحرب وانسحاب الاحتلال. لكن الإشكالية تكمن في “المقاربة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة” التي تحاول جرّ الحركة إلى اتفاق ناقص أو مبهم، يفتح المجال أمام الاحتلال للانقلاب عليه لاحقاً.

لذلك، يبرز موقف الحركة الحالي كرسالة مزدوجة: فهي من جهة تُظهر انفتاحها على أي مقترحات دولية تساهم في إنقاذ غزة ووقف المجازر، ومن جهة أخرى تضع خطوطاً حمراء واضحة: لا اتفاق دون إنهاء العدوان، وضمان انسحاب الاحتلال، وتشكيل إدارة فلسطينية مستقلة بعيداً عن أي وصاية أمريكية أو إسرائيلية.

التلاعب الأمريكي والإسرائيلي: قراءة في السياق

التاريخ السياسي للصراع يوضح أن المقترحات الأمريكية كثيراً ما تكون صيغاً تفاوضية تخدم الأمن الإسرائيلي أولاً، مع تجاهل حقوق الفلسطينيين الجوهرية. الجديد هذه المرة أن المقترح يتزامن مع وضع ميداني متأزم في غزة، وضغوط داخلية على حكومة نتنياهو، وحاجة ترامب لتحقيق “إنجاز سياسي” قبل الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية.

وبينما يحاول ترامب لعب دور الوسيط “القوي” القادر على فرض الحلول، فإن تفاصيل الصفقة تكشف عن تلاعب سياسي: ضمان الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين أولاً، مقابل وعود غامضة بوقف الحرب لاحقاً. بالنسبة لحماس، هذا ليس سوى نسخة محدثة من سياسة “الجزرة والعصا” التي خبرتها عبر سنوات.

خاتمة: معركة الروايات ومصير المفاوضات

البيان الأخير لحماس لا يمكن قراءته بمعزل عن استراتيجية الحركة في إدارة الصراع: التمسك بالمطالب الجوهرية، إظهار المرونة الدبلوماسية أمام الوسطاء، وكشف التلاعب الإسرائيلي والأمريكي في الوقت نفسه.

وبينما تحاول تل أبيب وواشنطن حشر حماس في زاوية “المتعنت الرافض”، تبدو الحركة في موقع المناورة المدروسة: فهي منفتحة على التفاوض، لكنها تضع شروطاً تصعّب على الاحتلال استغلال الصفقة لمصالحه.

المرحلة المقبلة ستكشف إن كان المقترح الأمريكي مجرد ورقة ضغط جديدة، أم بداية لمسار تفاوضي فعلي. لكن المؤكد أن الحركة تحاول رسم صورتها كطرف سياسي مسؤول، يوازن بين الثبات على الثوابت الفلسطينية والمرونة في التكتيك التفاوضي، في مواجهة “التلاعب الأمريكي الإسرائيلي” الذي يحاول اختزال معاناة غزة في ورقة مساومة سياسية.

اقرأ أيضًا : الشرطة البريطانية تعتقل متظاهرين احتجوا على حظر “فلسطين أكشن”