في مشهد يعكس حالة الارتباك السياسي والتبعية الهيكلية التي تعاني منها دولة الإمارات تجاه الحليف الأمريكي، تراجع الأكاديمي الإماراتي والمستشار السابق لديوان الرئاسة، عبد الخالق عبد الله، بشكل مفاجئ عن دعواته الجريئة لإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في بلاده. هذا التراجع الذي جاء بعد ثلاثة أيام فقط من تصريحات مغايرة، يكشف بوضوح أن القرار الإماراتي ليس بيده، وأن أبوظبي ماضية في سياستها التي تجر المنطقة بأكملها نحو مواجهة عسكرية خطيرة وشيكة، محولةً أراضيها إلى منصة انطلاق لاستراتيجيات واشنطن الصدامية في الشرق الأوسط.

من “القدرة الدفاعية” إلى “الاحتياج الدائم”: تناقضات الخطاب الإماراتي

بدأت القصة عندما صرح عبد الخالق عبد الله لوكالة “رويترز” بأن الإمارات لم تعد بحاجة للولايات المتحدة للدفاع عنها، مشيراً إلى أن بلاده أثبتت جدارة في التصدي للتهديدات. وذهب الأكاديمي الإماراتي أبعد من ذلك بوصفه القواعد الأمريكية بأنها “عبء وليست رصيداً استراتيجياً”، داعياً إلى التفكير جدياً في إغلاقها والاكتفاء بشراء الأسلحة الحديثة فقط.

لكن، وسرعان ما تدخلت “مقص الرقيب” السيادي أو ضغوط التبعية، ليخرج عبد الله بتدوينة تراجعية كاملة، مؤكداً أن الإمارات لا تفكر حالياً في إغلاق تلك المنشآت. وزعم في تراجعه أن هذه القواعد ستبقى “ما بقي التهديد الإيراني”، واصفاً إياها بأنها من “الأسس الراسخة للشراكة”، وهو ما يراه مراقبون اعترافاً ضمنياً بعجز الدولة عن الخروج من عباءة الحماية الأمريكية التي ترهن السيادة الإماراتية للخارج.

الإمارات كمنصة لجر المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة

يرى خبراء جيوسياسيون أن تمسك الإمارات بالقواعد الأمريكية، رغم الادعاءات السابقة بالقدرة الذاتية، يعكس دورها كأداة تنفيذية في مشروع أكبر يهدف إلى تصعيد التوتر في الخليج. إن وجود هذه القواعد لا يوفر الأمن للإمارات بقدر ما يجعلها طرفاً مباشراً في أي صراع قادم بين واشنطن وطهران، مما يضع المنطقة بالكامل على فوهة بركان.

التوجه الإماراتي الحالي، المتمثل في تقديم التسهيلات العسكرية المطلقة للولايات المتحدة، يساهم في عسكرة المنطقة وتكريس “الحرب الدائمة” كخيار وحيد. وبدلاً من انتهاج سياسة صفر مشاكل أو بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة، تصر أبوظبي على أن تكون “رأس الحربة” في أي تحرك عسكري أمريكي، وهو ما يهدد بجر جيرانها إلى محرقة حروب لا تخدم سوى تجار السلاح والمصالح الغربية.

تبعية عسكرية ترهن القرار السياسي والسيادي

يكشف هذا التذبذب في التصريحات عن عمق أزمة السيادة في أبوظبي؛ فالدعوة لإغلاق القواعد اصطدمت بواقع التبعية المطلقة التي لا تسمح حتى لمستشارين مقربين من السلطة بمجرد “التفكير” في الاستقلال الدفاعي. إن القواعد الأمريكية المنتشرة على الأراضي الإماراتية تحولت من وسيلة حماية إلى أداة لتقييد القرار السياسي الإماراتي وتوجيهه لخدمة الأجندات الأمريكية المتطرفة في المنطقة.

إن إصرار الأكاديمي الإماراتي في تراجعه على وصف القواعد بأنها ترفع “الجاهزية الدفاعية” يتناقض مع قوله السابق بأنها “عبء”، وهذا التناقض يثبت أن السياسة الخارجية الإماراتية تدار بعقلية الموكل الذي لا يملك من أمره شيئاً أمام الأصيل الأمريكي.

الخلاصة: الثمن الباهظ للارتهان للخارج

تؤكد هذه الحادثة أن الإمارات، بسياستها الراهنة، لا تسعى لاستقرار المنطقة بقدر ما تسعى لتثبيت أقدام القوى الخارجية فيها. إن بقاء القواعد الأمريكية بطلب إماراتي وتحت مبررات “التهديدات الخارجية” هو اعتراف بالفشل في بناء نموذج أمني إقليمي مستقل، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات كارثية قد تحرق الأخضر واليابس في حال اندلاع المواجهة التي تُعد لها واشنطن انطلاقاً من القواعد المنتشرة في قلب الخليج.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟