تختتم مصر، اليوم الأحد، جولة إعادة الاقتراع في 19 دائرة انتخابية أُلغيت نتائجها ضمن المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، في سابقة تُعد الأوسع منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014، وسط تساؤلات متصاعدة حول حجم التزوير وحدود “النزاهة” التي تتحدث عنها السلطات الرسمية.

دوائر ملغاة… وأرقام غير مسبوقة

انطلقت جولة الإعادة، أمس السبت، في 19 دائرة انتخابية أُلغيت نتائجها بسبب ما وُصف بـ”الخروقات”، على أن تُعلن النتائج النهائية في 4 يناير/كانون الثاني المقبل. وتوزعت هذه الدوائر على 7 محافظات هي الجيزة، وقنا، وسوهاج، وأسيوط، والبحيرة، والإسكندرية، والفيوم.

ويتنافس في هذه الجولة 70 مرشحًا على 35 مقعدًا بالنظام الفردي، من خلال 1694 لجنة اقتراع فرعية، وهي أرقام تعكس حجم العملية، لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على اتساع نطاق الإلغاء داخل مرحلة انتخابية واحدة.

إشراف قضائي… وخروقات جسيمة

بحسب الخطاب الرسمي، تُجرى الانتخابات تحت إشراف كامل من مستشاري الهيئات القضائية، مع متابعة من منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. غير أن إلغاء نتائج هذا العدد الكبير من الدوائر يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف وقعت هذه الخروقات “الجسيمة” رغم الإشراف القضائي الكامل؟

ففي المرحلة الأولى التي جرت يومي 10 و11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أُجري الاقتراع في 70 دائرة انتخابية، لكن نتائج 49 دائرة منها أُلغيت لاحقًا، أي ما يقارب ثلثي المرحلة الأولى، في مؤشر غير مسبوق على اختلال العملية الانتخابية.

تدخل رئاسي يثير الجدل

اللافت في هذه الانتخابات أن السيسي نفسه تدخّل بشكل علني، مطالبًا الهيئة الوطنية للانتخابات باتخاذ ما يلزم من إجراءات “حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء المرحلة الأولى كاملة”. ورغم تقديم هذا التدخل على أنه دليل على “الحرص على النزاهة”، يرى معارضون أن مجرد وصول الأمور إلى هذا الحد يعكس أزمة أعمق من مجرد أخطاء إجرائية.

فتدخل السيسي لا يعالج جذور المشكلة، بل يؤكد أن العملية الانتخابية تعاني من خلل بنيوي مرتبط بإدارة الانتخابات، وهيمنة الأجهزة الإدارية والأمنية، وضعف التنافس السياسي الحقيقي.

أحكام قضائية تكشف عمق الأزمة

ولم يتوقف الأمر عند قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات، إذ أبطلت المحكمة الإدارية العليا نتائج 30 دائرة انتخابية إضافية، بسبب “وجود خروقات في فرز أصوات الناخبين والحصر العددي لها”.

وهو ما يعني أن الأزمة لم تكن محل خلاف سياسي فقط، بل ثبُتت بأحكام قضائية نهائية، الأمر الذي قوّض الرواية الرسمية التي حاولت تصوير ما جرى على أنه مجرد حالات فردية أو استثناءات محدودة.

“نزاهة الانتخابات” أم اعتراف بالتزوير؟

رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، القاضي حازم بدوي، اعتبر أن كثرة الدوائر الملغاة “دليل على النزاهة”، مؤكدًا أن الهيئة “لن تتستر على أي مخالفات”. لكن هذا التبرير قوبل بانتقادات واسعة، إذ يرى مراقبون أن تكرار الإلغاء بهذا الشكل لا يعكس نزاهة بقدر ما يكشف حجم التزوير أو العبث الذي سبق عملية التصحيح.

ففي تجارب ديمقراطية مستقرة، يُعد إلغاء نتائج دائرة واحدة أمرًا استثنائيًا، بينما في الحالة المصرية أصبح الإلغاء ظاهرة عامة، ما يضع مصداقية العملية برمتها موضع شك.

برلمان بلا منافسة حقيقية

تأتي هذه التطورات في سياق برلمان مدته خمس سنوات، ويضم 568 عضوًا، مع صلاحية دستورية للرئيس بتعيين ما يصل إلى 5% من الأعضاء. ويرى معارضون أن هذه التركيبة، إلى جانب ضعف المشاركة الشعبية وغياب قوى معارضة فاعلة، تجعل من البرلمان مؤسسة شكلية أكثر منه سلطة تشريعية مستقلة.

وبحسب هذا الرأي، فإن إعادة الاقتراع في الدوائر الملغاة لن تغيّر جوهر المشهد، بل ستعيد إنتاج برلمان موالٍ للسلطة، مهما تغيّرت الأسماء أو أُعيدت الجولات.

أزمة شرعية مستمرة

ومع اقتراب جولات إعادة جديدة مطلع يناير المقبل لحسم 49 مقعدًا متبقيًا، تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابة: هل ما جرى تصحيح لمسار ديمقراطي، أم محاولة لترميم صورة انتخابات شابها تزوير واسع؟ وهل تعكس هذه الإعادات إرادة حقيقية لاحترام صوت الناخب، أم مجرد إعادة ترتيب للأوراق داخل نظام سياسي مغلق؟

في المحصلة، تكشف انتخابات البرلمان المصري، بما حملته من إلغاءات وإعادات وتدخلات، عن أزمة ثقة عميقة بين السلطة والشارع، وتعيد طرح سؤال الشرعية السياسية في عهد السيسي، حيث تتحول الانتخابات من أداة تمثيل شعبي إلى اختبار متكرر لمصداقية الدولة نفسها.

اقرأ ايضًا : اعتقالات إيطاليا بزعم تمويل “حماس”… حرب على العمل الخيري