في مشهد غير مسبوق، سلّمت كتائب “القسام”، الجناح العسكري لحركة “حماس”، جثامين 4 أسرى إسرائيليين إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة بني سهيلا شرق مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة.

عملية التسليم، التي جاءت بعد مماطلة إسرائيلية طويلة في تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى، لم تكن مجرد حدث تبادلي، بل حملت أبعادًا سياسية وعسكرية ودلالات رمزية تعكس طبيعة الصراع المستمر بين المقاومة والاحتلال.

خان يونس.. رمزية المكان الذي أذلّ الاحتلال

اختيار بني سهيلا كموقع لتسليم الجثامين لم يكن عبثيًا، بل جاء كردٍّ مباشر على محاولات الاحتلال المتكررة للبحث عن الأسرى الإسرائيليين خلال عدوانه المستمر على قطاع غزة. المنطقة نفسها شهدت عمليات عسكرية مكثفة من قبل جيش الاحتلال، الذي خصص فرقة النخبة “98” لتنفيذ عمليات اختراق بحثًا عن الأسرى، حيث أجرت حفريات عميقة استمرت لأربعة أشهر دون أن تحقق أي نتائج تذكر.

كما أن المنطقة ليست بعيدة عن كمين الأبرار، الذي نفذته المقاومة في السابع والعشرين من رمضان العام الماضي، وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين. اختيار المكان كان بمثابة رسالة مزدوجة: الأولى، أن الاحتلال لم يستطع تحقيق أي إنجاز في ميدان المعركة رغم تفوقه العسكري؛ والثانية، أن المقاومة تملك زمام المبادرة في تحديد قواعد اللعبة.

منصة التسليم.. رسائل حاسمة لحكومة الاحتلال

لم يكن تسليم الجثامين مجرد إجراء تقني، بل جاء ضمن إطار مشهد إعلامي وسياسي محكم، حيث حملت منصة التسليم رسائل واضحة لإسرائيل والعالم.

تحميل نتنياهو مسؤولية مقتل الأسرى الإسرائيليين

على المنصة، رفعت المقاومة لافتات تؤكد أن الأسرى كانوا أحياء عند احتجازهم، لكن جيش الاحتلال قتلهم بقصف متعمد لأماكن احتجازهم، مما ينسف مزاعم إسرائيل حول طريقة تعامل “حماس” مع الأسرى. رسالة مباشرة إلى الجمهور الإسرائيلي بأن حكومة نتنياهو، التي عرقلت اتفاق التبادل مرارًا، هي المسؤولة عن عودة جنودها في توابيت.

إبراز جرائم الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين

إلى جانب توابيت الأسرى الإسرائيليين، وُضعت لافتات ضخمة توثّق جرائم الاحتلال، مع إحصائيات توضح عدد الشهداء الفلسطينيين، وخاصة الأطفال، الذين قضوا خلال العدوان الإسرائيلي. ومن أبرز الرسائل التي حملتها اللافتات:

  • “قتلهم مجرم الحرب نتنياهو بصواريخ الطائرات الحربية”.
  • “الطوفان موعدنا”.
  • “لن نغفر ولن ننسى”.

تحذير واضح لإسرائيل

إحدى أبرز الرسائل التي حملتها منصة التسليم كانت عبارة: “عودة الحرب تعني عودة المزيد من الأسرى الإسرائيليين في نعوش”، وهو تحذير مباشر لحكومة الاحتلال بأن أي تصعيد عسكري جديد سيؤدي إلى مزيد من العمليات النوعية التي قد تسفر عن سقوط مزيد من الجنود في الأسر، مما يزيد الضغط على القيادة الإسرائيلية.

نتنياهو يتراجع.. تجنّب المواجهة الإعلامية

في سياق متصل، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان ينوي حضور مراسم استلام الجثامين لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة. هذا التراجع يعكس حجم الحرج الذي يواجهه نتنياهو أمام جمهوره، إذ يدرك أن ظهوره في مثل هذا المشهد قد يفاقم الغضب الداخلي في إسرائيل، خاصة وأنه يتعرّض لاتهامات متزايدة بالفشل في إدارة الحرب وقضية الأسرى.

إسرائيل والمأزق الجديد.. إلى أين تتجه الأمور؟

عملية تسليم الجثامين كشفت عن المأزق الذي تعيشه إسرائيل، فمن جهة تجد نفسها مضطرة إلى إتمام اتفاق تبادل الأسرى، ومن جهة أخرى تخشى أن يؤدي ذلك إلى تعزيز صورة المقاومة الفلسطينية وإثبات قدرتها على فرض شروطها. ومع استمرار المماطلة الإسرائيلية في تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، يطرح السؤال: هل ستدفع إسرائيل ثمنًا سياسيًا أكبر بسبب تعنّتها، أم ستُجبر على استكمال الصفقة رغم خسائرها؟

في المقابل، أثبتت المقاومة الفلسطينية مرة أخرى أنها قادرة على فرض قواعد جديدة للصراع، ليس فقط من خلال المواجهة العسكرية، بل أيضًا عبر إدارة الملفات السياسية والتفاوضية بشكل ذكي يضع الاحتلال في موقف ضعيف.

مرحلة جديدة من معادلة الصراع

عملية التسليم في خان يونس لم تكن مجرد تنفيذ لاتفاق، بل كانت رسالة قوية بأن المقاومة ما زالت تمسك بزمام المبادرة. الاحتلال الإسرائيلي قد يمتلك القوة العسكرية، لكنه يفتقر إلى استراتيجية سياسية قادرة على حسم المعركة لصالحه.

وبينما تحاول إسرائيل استيعاب صدمة هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: هل ستتعلم من أخطائها، أم أنها ستواصل المماطلة والمقامرة بمصير المزيد من أسراها؟

اقرأ أيضا: القمة الإفريقية تدين الاحتلال: إبادة جماعية في غزة وضرورة المحاكمة الدولية